حارت البرية في تفسير آخر مقترحات الرئيس الأميركي بوش بشأن مبادرته المتخذة مؤخراً، حيث أعلن في منتصف يوليو الحالي دعوته لعقد مؤتمر دولي من أجل إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط. ويكاد المحلل السياسي ـ العربي بالذات ـ يشعر بقدر لا يخفى من الإحباط عندما تتناهى إلى سمعه لفظة «مبادرة».

على أن المسألة لا تتعلق بالتشاؤم أو التفاؤل قدر تعلقها بتاريخ من المعاناة العربية المريرة من عملية إطلاق المبادرات التي لا تلبث تتكشف عن مزيد من تعقيد الموقف، ومزيد من المسافات الفاصلة بين القضايا القومية والوطنية المطروحة، وبين إمكانية التماس السبل الناجعة أو حتى المعقولة لحلها.

وتاريخ هذه المبادرات في المنطقة العربية ـ وفي مجال الصراع العربي ـ الصهيوني بالذات ـ عمره الآن نحو 27 سنة.. منذ مبادرة روجرز الشهيرة في صيف عام 1970، وقد انتهت بوقف حرب الاستنزاف ضد إسرائيل وكانت موجهة إلى القوات الصهيونية المحتلة شرقي قناة السويس..

عبورا بمبادرات الرئيس السادات التي أفضت بالطرف العربي في القضية المحورية إلى زيارة الكنيسيت والصلح مع إسرائيل والاعتراف الكامل، الواقعي والحقوقي والدبلوماسي، بوجودها في شرقي الإقليم العربي الذي ما زالت تحتل أجزاء من قلبه في الأرض الفلسطينية والأرض السورية على السواء.

ولقد سبق للرئيس بوش اتخاذ مبادرة حول الدولتين ومبادرة خارطة الطريق. وأضاف العرب من ناحيتهم مبادرات انطلقت أساسا من مبدأ الأرض مقابل السلام وهو أقصى ما يمكن أن يقدمه طرف عربي.. ولكن ذهبت هذه المبادرات كلها أدراج أرياح.. بل جاء بعضها بعواصف عاتية لا تصب في مصلحة الحق العربي من قريب أو بعيد.

بيد أن السياسة هي في جوهرها هي فيه الممكن.. وأميركا في الأساس هي الطرف المؤهل لحمل الكيان الصهيوني على أن يسلك هذا الطريق أو ذاك على دروب التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية وتوابعها وخاصة في سوريا وفي لبنان.. ومن هنا كان الاهتمام مجددا بدعوة بوش الأخيرة إلى عقد المؤتمر الذي اقترح توقيته في الخريف على أن يكون برئاسة وزيرة خارجيته الدكتورة رايس.

وأيا كان الرأي المبدئي في مثل هذا الاقتراح.. وأيا كانت ظروف صدوره ودوافع طرحه على دائرة الاهتمام العالمي، فما زال واجبا أن تؤخذ مثل هذه المقترحات أو المبادرات على محمل الجد وأن توفى حقها من التدارس أو التحليل.

في هذا السياق نستطيع أن نورد بإيجاز شديد الملاحظات التالية:

(1) من حيث التوقيت جاء الاقتراح الأميركي أقرب ما يكون إلى التماس مجالات أو ساحات جديدة لتسجيل إيجابيات أو منجزات لصالح البيت الأبيض، وخاصة في ضوء تردي الأحوال العسكرية والمدنية في العراق. ولهذا تسجل الكاتبة هيلين كوبر (نيويورك تايمز 17/ 7) رأيها بأن أميركا تسعى إلى بدء بناء دولة فلسطينية إذ هي غائصة في ورطة العراق.

(2) أن واشنطن تسعى ـ على ما يبدو أيضا ـ إلى مشاركة جادة للأطراف والقادة العرب في مبادرتها الجديدة.. وهو أمر إيجابي في حد ذاته، شريطة أن يكون موقف الطرف القومي العربي واضحا منذ البداية، ومتمسكا بالحد الأدنى من المطالب القومية وفي مقدمتها جلاء الاحتلال الإسرائيلي وإزالة السيطرة الإسرائيلية بكل أشكالهما عن أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السوري المحتل.

(3) في هذا الصدد نلاحظ ـ على نحو ما شارك فيه مراقبون معنيون بهذا الشأن ـ أن الرئيس الأميركي عمد إلى استخدام مصطلح «الاحتلال» في معرض حديثه عن «الوجود» الإسرائيلي في الضفة الغربية.

صحيح أن كل أدبيات الأمم المتحدة وقراراتها وتقارير أمانتها العامة ووكالاتها المتخصصة تستخدم تعبير الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن استخدام المصطلح على لسان مسؤول أميركي يرأس إدارة سيطر عليها أكثر من أمير للظلام مؤيد لإسرائيل وكيانها واحتلالها.. أمر ينبغي أن يحوز الاهتمام، لا من باب التمني أو التعلل بالأمنيات، ولكن من باب أهمية التفعيل ووضع كل طرف أمام ما يجب أن يتحمله من مسؤوليات.

(4) رغم أي موجة تفاؤل، أو شبه تفاؤل، بإمكانية تحريك القضية الفلسطينية التي لم تشهد عقد اجتماع دولي جاد منذ مؤتمر مدريد الشهير في عام 1991، إلا أن دوائر الرصد السياسي العربية لا ينبغي أن تغفل عن اتساع الهوة الرهيبة الفاصلة بين حديث الرئيس بوش عن إقرار السلام ونبذ العنف وتحقيق الحياة الأفضل في الشرق الأوسط،

وبين مواقف المسؤولين الإسرائيليين الذين ما برحوا يعلنون أنهم على استعداد لمناقشة خطوات بناء الثقة(!) وليس بناء الدولة المستقلة التي يستحقها الشعب الفلسطيني.. بل يضيفون أنهم ليسوا على استعداد لمناقشة القضايا المعلقة. وهنا ننبه من جديد إلى أهمية إعلان النوايا قبل التئام عقد المؤتمر الخريفي المرتقب - ومن جانب الأطراف كافة.

(5) ينبغي ألا يذهب الطرف العربي إلى مثل هذا الاجتماع مخلّفا من ورائه أمة عربية منقسمة الصفوف وشعبا فلسطينيا ممزق الأشلاء.. بل يستطيع العرب أن يحيلوا باستمرار إلى مرجعية قمة الرياض الأخيرة وإلى مرجعيات أخرى تستند كما ألمحنا - إلى جوهرية مبدأ الأرض مقابل السلام.. وإلى أهمية التمسك بدولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة والنمو والاستمرار.

(6) وإذا كان الشيطان يكمن دائما في تلافيف التفاصيل، فالمؤكد أن الطرف الإسرائيلي.. وقد ورث الخبرة اليهودية - الصهيونية على مدار قرون.. ماهر في إغراق الأطراف الأخرى في دوامة المسميات والتعاريف والإجراءات والتفصيلات والمماحكات.

وإذا كان الاجتهاد السياسي والإبداع الفكري والخيال الخصب أمورا لازمة للمفاوض الماهر.. فإن هذه الأسلحة الدبلوماسية ينبغي بداهة أن توضع في خدمة الهدف الوطني الفلسطيني والهدف العربي القومي المعلن وهو أن سلامة النوايا.. وضمانات الأمن وحسن السير والسلوك هي الأمور المطلوبة من الطرف الإسرائيلي وليس من الأطراف العربية.

في كل حال.. قد نلاحظ من جانبنا أن الرئيس بوش ـ الابن ربما يريد أن يصل ما بين ميراثه السياسي وبين ميراث والده الرئيس بوش الأسبق.. صحيح أنه حاول في العراق إكمال ما أحجم عنه أبوه بعد إنجاز مهمة تحرير الكويت وكانت النتيجة هي المأساة الراهنة لشعب العراق وللتدخل الأميركي ـ بالاحتلال ـ في أرض الرافدين،

الأمر الذي يمكن أن يدفع أركان البيت الأبيض إلى أن يطرقوا أبوابا جديدة لكي يحققوا مع حلول موسم الانتخابات الرئاسية الوشيك، إنجازات أو ما يشبه الإنجازات في مجال السياسة الخارجية بشكل عام وعلى صعيد منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص.

وعندنا أن التركيز على المنطقة العربية وبالتالي على قضيتها المحورية في فلسطين يرتبط أولا بأهمية الشرق الأوسط بالنسبة للأمن النفطي الأميركي من جهة ويرتبط من جهة ثانية بالمواجهة الراهنة بين واشنطن وطهران، فيما يرتبط من جهة ثالثة برغبة الرئيس بوش ـ الابن في تسجيل إنجاز، قد يكون مبهرا، في حال التوصل بحق إلى إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة..

بمعنى الدولة التي تحقق الآمال الوطنية الفلسطينية والغايات العربية القومية.. كل رئيس أميركي يسعى عند خواتيم ولايته إلى تحسين سجله لزوم التركة السياسية التي يدخل بها في دفتر تاريخ بلاده.. وعلينا ألا ننسى أن بيل كلينتون حاول الشيء نفسه وانشغل ـ كما رأينا ـ بهذا الشأن الشرق أوسطي، حينما جمع في كامب ديفيد بين ياسر عرفات وإيهود باراك.. وإذا كان كلينتون بكل مهاراته قد أخفق في مسعاه.. فإن بوش ـ مع رهط من معاونيه ما زالوا يحاولون.

وها هو أحدهم، ديفيد ولش مساعد وزيرة الخارجية يصرح للواشنطن بوست قائلا: - «أمامنا شوط طويل نقطعه». وما كنا لنقحم أنفسنا في هذا الشأن لولا ثقتنا بأن ثمة استعدادا في المنطقة للسير قدما على طريق السلام.. وها نحن نعتقد أنه قد حانت اللحظة التي يمد فيها كل طرف يده ليكبس «زر الانطلاق» ويسعى إلى إنجاح ما يجري بذله من جهود».

في هذا السياق أيضا تعلق الواشنطن بوست (عدد 17/ 7) بعبارات تقول: في الأيام الأخيرة فقط.. بدأت فكرة المؤتمر تطرأ على بال كبار مسؤولي الإدارة الأميركية.. ومن ثم ظلوا عاكفين على مناقشة تفاصيلها الصعبة، من حيث المكان والزمان،

وكان الأهم هو اعترافهم بأنهم لا يملكون ضمانا بشأن من سيحضر ومن لا يحضر. ولهذا انطلق الرئيس بوش فور إلقائه خطابه إلى الهاتف كي يتصل بعدد من قادة المنطقة وزعمائها، خاصة وأن الخطاب جاء في وقت يبدو فيه أن الانقسام يتعزز في داخل الأراضي الفلسطينية ذاتها.

كاتب مصري