منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وحتى الآن والعرب والمسلمون في العالم كله تنتابهم حالة من التشاؤم والنظرة السوداوية للمستقبل، وتدعم هذه الحالة وتنميها تطورات الأحداث المأساوية التي شهدتها الأمتان من حملات شرسة نالت كل ما لديهما من عقائد ومبادئ وقيم وتقاليد وروابط اجتماعية وثقافية ودينية.

ومن حروب وصراعات دموية ذهب ضحيتها أكثر من مليون من القتلى وملايين غيرهم من الجرحى والمساجين والمعتقلين والمشردين واللاجئين، وحملات تشهيرية نالت أقدس المقدسات الإسلامية، وتشوهات فكرية أصابت العديد من النخب الثقافية والسياسية في العديد من مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وكذلك انشقاقات وتقسيمات وانقسامات طائفية وإثنية وعرقية ومذهبية وغيرها من الأشياء والظواهر التي يصعب حصرها هنا والتي أصابت مجتمعاتنا بتصدع ربما يصعب ترميمه في المستقبل القريب .

لكن كل هذا المشهد المأساوي والكارثي بالقطع لن يدوم، وحتمية التطور التاريخي تفرض نفسها لتضع لكل شيء حدوده، ولابد للنفق المظلم من نهاية ينتهي عندها ويظهر الطريق المضيء، وعندها ستتضح الحقائق وتنهض الأمم ويعود الوعي ويبدأ البناء من جديد على أسس قوية ومتينة ترسخها شدة المعاناة والآلام والتعرف على الأخطاء وكشف الثغرات والعيوب وسقوط الأقنعة الزائفة والكاذبة والمنافقة والعميلة والخائنة، وتعود الثوابت شامخة .

هذا ليس مجرد حلم ولا تفاؤل في غير موضعه، بل على العكس فإن مؤشرات هذا الطريق بدأت بالفعل في الظهور، لكننا من هول المأساة لا نراها ولا نلاحظها لأن مشاهد القتل والدمار تملأ أعيننا.

لقد عاشت شعوب أخرى كثيرة مآسي وأهوالاً أقسى بكثير مما نعيشها نحن الآن، لكن هذه الشعوب لم تذهب ولم تسقط إلى الأبد بل صمدت وقاومت ونهضت من جديد تبني أوطانها، وتحولت مأساة هذه الشعوب إلى وصمات عار ومآس مستمرة لأعدائها.

ولو أخذنا مثالاً من الماضي القريب شعب فيتنام وما شهده من أهوال وقتل ودمار استخدمت فيه أبشع الأسلحة الحديدية والكيماوية والبيولوجية التي ذهب ضحيتها مئات الآلاف ومازال الكثيرون منهم يعانون منها حتى الآن، ولكن فلننظر الآن كيف أصبحت فيتنام الأمة الناهضة المتحدة شمالها وجنوبها والمتمسكة بقيمها ومبادئها وتاريخها.

بينما تحولت لدى أعدائها إلى عقدة نفسية وشبح مخيف يطاردهم وينغص عليهم حياتهم. لقد فجرت مأساة فيتنام بركان الصراع الاجتماعي داخل المجتمع الأميركي في أواخر الستينات، وفرضت تغييرا اجتماعيا هائلا لم يستطع فرضه العديد من الصراعات والحروب الأهلية الداخلية في الولايات المتحدة منذ تأسيسها.

فقد انفجر مجتمع السود في أميركا يرفض الخضوع والذل ويرفض طاعة قتلة الشعوب الأخرى، ونال السود بعد حرب فيتنام وبدون قوانين ولا فرمانات فيدرالية حقوقا لم يكونوا يحلمون بنيلها منذ تأسيس الدولة الأميركية العظمى، والأمثلة غير فيتنام كثيرة في اليابان وألمانيا وجنوب إفريقيا وغيرها .

نحن العرب والمسلمين لن ننتقم من الولايات المتحدة ولن نشن الحرب عليها، لكن جبروتها وطغيانها وبطشها في بلادنا له نهاية، وهي قريبة، ويبدأ بعدها الحساب العسير لها داخل مجتمعها الذي بدأ يغلي من الداخل بسبب أفعالها في العراق وأفغانستان.

وبدأ يستعيد آلام ومأساة فيتنام، ومن يتابع المجتمع الأميركي من الداخل وما يحدث فيه يرى جيدا مدى تأثيرات ما يحدث عندنا عليه، لقد بات الأميركيون مرعوبون من كراهية الآخرين لهم وباتوا يخشون تكالب الأمم الأخرى عليهم ورفضها لهم، وباتوا يستوعبون جيدا أنهم مخدوعون بأكاذيب حكامهم الذين تلوثت أيديهم بدماء الشعوب البريئة من أجل المال والمصالح الخاصة البعيدة تماما عن مصالح الشعب الأميركي نفسه.

إن المتتبع لما يحدث داخل الولايات المتحدة الأميركية، والذي يحاول الإعلام الغربي أن يخفيه عن أعيننا، يرى أن المجتمع الأميركي مقبل على مأساة اجتماعية ونفسية ربما ستكون أكبر وأقسى بكثير من مأساة حرب فيتنام . فقط مطلوب من العرب والمسلمين الصبر والتماسك والتمسك بالثوابت وعدم الانهيار، وإن غدا لناظره لقريب.