تصحيحاً لخطأ شاع مؤخراً، فإن حقوق فكرة الولايات المتحدة الإفريقية تعود إلى الزعيم الغاني الراحل كوامي نكروما. فهو الذي دعا لإقامة دولة إفريقية فيدرالية، وكان تصوره أن الوحدة الفورية سوف تسهل قضية تحرير القارة السمراء من مختلف أنماط الاستعمار وتتصدى لمشكلاتها الاقتصادية ومنازعاتها الحدودية. حدث ذلك أثناء مداولات إبرام ميثاق أديس أبابا المنشئ لمنظمة الوحدة الإفريقية في مايو 1963.
وقتذاك، قوبل هذا المقترح ومؤيدوه بمعارضة قوية، بحجة أنه ليس واقعياً ويتجاهل صعوبات توحيد قارة ضخمة بكل ما تحويه من تباينات عرقية واجتماعية ولغوية وإيديولوجية سياسية وغيرها. ثم إن العقلية الاندماجية تتعارض وطموح الدول حديثة الاستقلال في صيانة سيادتها الكاملة. وكانت السيادة شديدة الإغراء في ذلك الحين.
لم يعش نكروما ليرى فكرته ،التي نسبها آخرون لأنفسهم، وهي تحاول أن تشق طريقها إلى التطبيق بعد زهاء خمسة وأربعين عاماً، بجهد جيل آخر وفي زمن إفريقي ودولي مختلف. ولكن معظم الحيثيات التي جوبه بها الرجل وأدت إلى إحباط نزعته الوحدوية مازالت عاكفة في تضاعيف الرحاب الإفريقية.
بل إن ما يقال عن أكبر نجاحات منظمة الوحدة التي طويت صفحتها في يوليو2002، وهو إجلاء القوى الاستعمارية وإزاحة الأنظمة العنصرية الفجة، يبقى محلاً للجدل.. اللهم إلا إذا كنا نتحدث عن الاستعمار والعنصرية بمفهوميهما التقليديين، وليس عن المداخل والأساليب الاستعمارية والعنصرية المستحدثة (البديلة!)، وعمادها السيطرة أو الهيمنة عن بعد بآليات كثيرة، يعلمها أهل الذكر في حقل العلاقات الدولية الراهنة.
أما بالنسبة لبقية أهداف المنظمة الآفلة وتجربة الاتحاد التي تلتها، فإن التناظر ربما يصح فقط حول أسباب الفشل لا بشأن الفشل ذاته! لقد سعت المنظمة إلى: «تقوية وحدة إفريقيا وتحقيق تضامنها بطريقة تسمو على جميع الخلافات العنصرية والقومية، وضمان رفاهية الشعوب الإفريقية، وتعزيز التنسيق والتعاون بين دول المنظمة والدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها، والارتقاء بالسياسات العامة الإفريقية في المجالات التربوية والثقافية ونواحي النقل والمواصلات والصحة والدفاع والأمن.... والذي لا ريب فيه أن بين أفارقة اليوم وبين هذه الغايات مسافة شاسعة، ربما كتلك التي كانت يوم قامت منظمتهم وزيادة..
إفريقيا الحالية، التي يريدها البعض فيدرالية، مازالت تدور في أحابيل محاولات بائسة ويائسة للتنمية الاقتصادية والبشرية، وديون متراكمة (300 مليار دولار!) تعجز عن الوفاء بها ويزيدها الفساد المالي والإداري عجزاً، وأمراض مستعصية يتصدرها الإيدز الذي يؤذن بحصد شبابها، وتعثر للتطور على طريق الديمقراطية السياسية، وعدد كبير من الحروب والفتن الداخلية التي تثور وتخبو بلا ضوابط .. إنها الأمراض والعوارض ذاتها التي قضّت مضاجع آباء عصر التحرير وحثتهم على التآزر ضدها جماعياً.
لكن ما ينقص الاتحاديين والفيدراليين الآن ومستقبلاً أنهم لا يستطيعون تعليق خسارتهم في مواجهة هذه القضايا (الإشكاليات) ونحوها على مشجب الاستعمار وأعوانه.. وهم لا يملكون كذلك التذرع بمعارك الاستقلال لتأجيل هذه المواجهة. ثم إنهم، أو بعضهم على الأقل، أهلكوا عقوداً من الزمن وكثيراً من النسل والحرث وهم يعدون شعوبهم بالرخاء المقبل. الذي لم يحدث إطلاقاً وبات بمرور الوقت بعيد المنال.
لهذا ومثله، يعتقد بعض الخبثاء أن النقلة الكبرى من تجربة الوحدة إلى آفاق الاتحاد ثم إلى الولايات المتحدة ليست أكثر من قفزات هروبية جبارة إلى الأمام، عن طريقها يتمكن الاتحاديون ونظمهم من التلويح مجدداً بأحلام الرخاء، على أن تمنحهم الشعوب فرصة - ممتدة جداً - في سبيل بلوغ هذه الغاية النبيلة.
لقد تحدث هؤلاء عن الاقتداء بالنموذج الاتحادي الأوروبي، بل وعن آمال تجاوزه في البنيان إلى التجربة الأميركية الأكثر تطوراً !.. ونلحظ هذا من اشتقاق عناوين المؤسسات الاتحادية الفيدرالية المنشودة على الطريقة الأميركية وذلك بخلاف ما أخذوه عن المذهب الأوروبي (مجلس وزراء؛ مفوضية؛ برلمان؛ محكمة عدل؛ بنك استثمار...).
يتصور أصحاب هذا الرأي أن ما لم تبلغه إفريقيا في عهد منظمة الوحدة لن تتمكن من بلوغه تحت العناوين الاتحادية أو الكونفدرالية أو الفيدرالية.. ذلك أن هذه الأطر تقوم موضوعياً على مقتضيات واستحقاقات وأسس أكثر تعقيدا بكثير من تلك التي استأنست بها المنظمة الموروثة.
وإذا كانت تجربة المنظمة قد أخفقت في معالجة معظم أهدافها، ولم تخلف وراءها سوى تركة مثقلة بالأعباء والهموم، فما الذي يدعو للتفاؤل بمستقبل أكثر إشراقا للتجربة الوريثة؟. هذا التوقع الذي يبدو منطقياً يثير التساؤلات: ألم يكن من الأنسب أن يستأنف الأفارقة مسيرة منظمتهم، بعد التأمل في عبرة مسارها وتخليصها من عللها بدلاً من هجران هذه المسيرة بالكامل والتطلع إلى مستوى أرقى على مضمار التطور الإقليمي؟
ألم يلحظ هؤلاء العملية التراكمية التي بنى بها الأوروبيون تعاونهم الإقليمي خلال الخمسين سنة الماضية، وأن الأخيرين تدرجوا بمشروعهم من حيث الكم والكيف إلى أن بلوروا اتحادا اقتصاديا موسعا تحدوه الآمال ويحث السعي إلى الوحدة السياسية والأمنية؟ لماذا يهدر «وحدويو إفريقيا» في هذه المرحلة ما وعاه آباؤهم حين عارضوا اتجاه نكروما؟!
والحق أن هذا المنظور التشاؤمي لا يخلو من مبالغة. ففي أسوأ الفروض يبقى لمنظمة الوحدة ومؤسسيها فضل السبق والريادة في اجتراح العمل الجماعي على صعيد قارة بأكملها، وأنهم تمكنوا من تحقيق نقلة تاريخية حين تولوا تحويل معظم شعوبهم من طور القبيلة إلى عتبات الدولة، وحافظوا ولو بشق الأنفس وبعض السقطات على كثير من المبادئ التي أقروها في أجواء دولية عاصفة إبان الحرب الباردة وبعدها.
وفي كل حال لا أحد يعلم يقيناً أية إفريقيا كنا سنعرف اليوم فيما لو أن هذه المنظمة لم توجد من الأصل. لكن أحد المؤشرات الإيجابية بالخصوص، أن الأفارقة عرضوا نموذجاً للعمل الإقليمي أكثر فعالية وانتظاما والتزاما بالمواثيق والقرارات من ذلك الذي طرحه العرب، على رغم الفارق الكبير بين النموذجين من حيث المنطلقات وبواعث التوحد ومستوى التحديات والموارد لصالح النموذج العربي.
من باب الإنصاف إذاً أن يجري تقويم التجربة الإفريقية الوحدوية عموماً بكل سلبياتها وإيجابياتها. وحبذا لو تم ذلك قياساً بالأمثلة قريبة الشبه من حيث الظروف التاريخية والموضوعية. وذلك لا يعني بالمرة نبذ الرؤى التي تحذر من المغالاة في الآمال المتوقعة من الكيان الاتحادي المأمول.. فإذا كان ماضي هذه التجربة يقارن بنظائرها كالتجربتين العربية والأميركية اللاتينية، فإنه يتعين استشراف مستقبلها بالمنطق ذاته، وليس بالمغامرة التي تنطوي عليها فكرة المحاكاة بالمثل الأوروبي، ومن باب أولى الأميركي!
كاتب وأكاديمي فلسطيني