وقع العالم العربي يوم الثلاثاء الماضي في تناقض غريب، وبدا في حيرة من أمره، إذ لم يعرف ما إذا كان ينبغي عليه أن يستمر في كلمات الإشادة والترحيب بالمبادرة الأميركية كرد فعل أولي بدأ من لحظة إعلانها، أو أن يصب جام غضبه على إدارة بوش التي لم تستطع الثبات على موقفها من عقد مؤتمر دولي للسلام في المنطقة أكثر من بضع ساعات.

بدأت القصة المثيرة للسخرية يوم الاثنين (16 يوليو) حينما ألقى بوش كلمة في البيت الأبيض أراد أن يحتفي فيها بالشقاق الذي تشهده الساحة الفلسطينية، فدعا إلى عقد مؤتمر دولي في نوفمبر المقبل لإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط تقوده وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس وتشارك فيه دول الجوار وقال إن واشنطن «مستعدة لإدارة مفاوضات جدية نحو بناء الدولة الفلسطينية»، وإن هذه المفاوضات يجب أن تضمن دولة فلسطينية ذات حدود متصلة وقابلة للحياة وأن تتعامل مع مسألة القدس ووضع اللاجئين.

ولأن إسرائيل لا تعرف كيف تخفي شيئا، انجرافا وراء التلذذ بالشعور أنها تتحكم في رؤى ومشاعر قوى كبرى على رأسها أميركا، أو توعز لأطراف عربية هنا وهناك بطرح اقتراحات، فقد سارعت أوساط رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى كشف حقيقة ما حدث، إذ اتضح أن أولمرت هو من اقترح على الرئيس الأميركي في لقائهما قبل شهر فكرة عقد المؤتمر أملا في أن يجذب ذلك دولاً عربية بعينها إلى دائرة التطبيع العلني مع إسرائيل.

ولعدة ساعات احتارت الخارجية الأميركية كيف تداري خيبة واشنطن إذ ان كشف تل أبيب لحقيقة ان الدعوة الصادرة من البيت الأبيض تستند إلى فكرة إسرائيلية سيؤدي إلى قتل المؤتمر قبل أن يعقد.

غير أن الاتصالات عبر وسطاء أثبتت لإسرائيل أن الدول التي اقترح أولمرت الفكرة من أجلها لن تشارك، فقلبت تل أبيب ظهر المجن دون مراعاة الحرج الذي يمكن أن تقع فيه الإدارة الأميركية ولأبسط قواعد اللياقة في التعامل بين الدول، فسحبت الفكرة.

في اليوم التالي كان لا مفر أمام الرئيس بوش غير أن ينسحب وذيله بين قدميه، فخرج المتحدث باسم البيت الأبيض توني سنو بتصريحات دعا فيها إلى عدم إثارة آمال عريضة بشأن مؤتمر السلام الذي دعا الرئيس الأميركي لعقده، قائلا إن الأمر لا يتعلق «بمؤتمر كبير للسلام» كما فهم البعض، وأن الأمر لا يتعدى اجتماعا للجلوس (إلى طاولة) ومحاولة التوصل إلى سبل إقامة مؤسسات أساسية للفلسطينيين تتيح لهم إدارة شؤونهم بأنفسهم.

وخلال بضع دقائق خرج متحدث إسرائيلي بتصريح حاول فيه حفظ ماء وجه الأميركيين، فقال إن واشنطن قررت تخفيض سقف التوقعات بعد بضعة لقاءات ميدانية أجراها الأميركيون عقب خطاب بوش، و«تبين لرجال البيت الأبيض أنه لا يوجد أي تأكيد في أن تبعث دول عربية أخرى غير مصر والأردن ممثلا لها إلى مثل هذا اللقاء».

بالطبع لم تحدث مثل هذه اللقاءات الميدانية، بل كان غالبية الزعماء العرب مرحبين بالفكرة وعلى استعداد لبذل الجهود لإنجاحها، لكن الرسالة التي أراد أولمرت تمريرها عبر البيت الأبيض يبدو أنها فهمت خطأ من جانب الأميركيين، فلم يكن أولمرت يقصد على ما يبدو الحديث عن تسوية للقضية الفلسطينية ولا دراسة إقامة دولة، بل مجرد الجلوس مع عرب من خارج دائرة المطبعين مع إسرائيل.

وفتح قنوات اتصال، وكسر حاجز ما زال يفصل البعض عن الدولة الصهيونية ويجعل الاتصالات العلنية معها على الأقل في خانة المحرمات.. نعم للبعض اتصالات سرية، لكن تل أبيب لم تعد تقنع بهذا الأسلوب وتريد علاقات سافرة، ولم يعد يرضيها إلا أن يكون ذلك على رؤوس الأشهاد.

إن ما جرى تلاعب إسرائيلي بأميركا التي تتلاعب بدورها بالعواصم العربية، وبالفعل يصعب التمييز بين أفعال تل أبيب وواشنطن، ولا يريد أحد في العالم أن يصدق أن تلك العصابات الاستيطانية التي اغتصبت فلسطين تمسك بلجام أعتى قوة في التاريخ.

moc.liamtoh@idnehsidgam