تشير الأنباء الواردة من أكثر من مكان ومنطقة في العالم إلى عودة تنظيم القاعدة لتنفيذ عملياته، فضلا عن إعلان أكثر من تنظيم فرعي في الدول الإسلامية عن انضمامها إلى القاعدة، وأبرز مثال على ذلك الإعلان عن تشكيل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي نفذ أكثر من عملية في كل من تونس والجزائر والمغرب .
فضلا عن ذلك فان الدول الغربية ترفع أسبوعيا درجات الاستعداد بها لتفادى هجمات محتملة من تنظيم القاعدة، وهذه الدول لا تفعل ذلك إلا لأنها تدرك جيداً قوة التنظيم وقدرته على تهديدها من الداخل . وهذه التهديدات تأتى بعد مرور ما يقرب من ست سنوات من الحرب الأميركية على التنظيم والتي أطلقت عليها تسمية الحرب ضد الإرهاب .
ويكفي للتأكيد على قوة التنظيم ما نقل مؤخرا ومنذ أيام قليلة عن تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (CIA)، جاء فيه أن تنظيم القاعدة أصبح أقوى وصار في موقع أفضل من ذي قبل لضرب المصالح الغربية بالولايات المتحدة أو أوروبا،
رغم مرور ست سنوات على بدء ما يسمى الحرب العالمية على الإرهاب التي تقودها واشنطن.وطعن هذا التقرير الذي نشرت مقتطفات منه صحيفة واشنطن بوست في الحملة العسكرية الشعواء التي شنها الرئيس جورج بوش عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن.
وعودة تنظيم القاعدة إلى قوته ،التي يرى محللون أنها أقوى من السابق، تطرح تساؤلات حول أسباب هذه العودة وحدودها وآفاقها المستقبلية . وهناك من يحمل الحرب الأميركية على العراق، والتي اعتبرتها الولايات المتحدة جزءاً من حربها على الإرهاب، مسؤولية الإخفاق في القضاء على تنظيم القاعدة .
فمن جهة أصبح العراق مرتعاً مهماً لتواجد أعضاء التنظيم بسبب الفوضى الضاربة هناك . ومن جهة ثانية فان هذه الحرب أدت إلى خسارة الحرب المعنوية الشق الخاص بالحرب على الإرهاب، حيث أن الحرب على العراق أدت إلى استياء المواطنين العرب والمسلمين من الولايات المتحدة،
الأمر الذي أدى إلى عدم تعاطفهم مع الحرب الأميركية ضد تنظيم القاعدة . بل إن الحرب على العراق أدت إلى اقتناع المواطنين العرب بأن الولايات المتحدة تستهدفهم، وهو الأمر الذي يسر للقاعدة تجنيدالعديد من الشباب العربي المسلم للحرب ضد الولايات المتحدة الأميركية .
ومن جهة ثالثة فان دخول الولايات المتحدة في المستنقع العراقي ورغبتها بعد ذلك في أن تساعدها الأنظمة العربية على الخروج منه أدى بها إلى التغاضي عن شق مهم يتعلق بالحرب على تنظيم القاعدة، وهو المتعلق بالإصلاح في العالم العربي والإسلامي.
وكانت الولايات المتحدة تضع اعتبارا كبيرا لهذا الشق في الحرب ضد القاعدة لأن منظري الإدارة الأميركية، خاصة المنتمين منهم لتيار المحافظين الجدد، رأوا أن الإصلاح السياسي والاجتماعي وأيضا إصلاح الفكر الديني، كلها مجتمعة يمكن أن تؤدي إلى تجفيف منابع تنظيم القاعدة
على اعتبار أن قطاعا كبيرا من الشباب المحبط غير القادر على التعبير عن نفسه من داخل الأطر الشرعية في بلاده لا يجد سوى الأطر غير الشرعية للتعبير السياسي عن نفسه، وهنا تنجح القاعدة في تجنيد القطاع الأكبر من هذا الشباب الأمر الذي يؤدي إلى تجديد قواعد هذا التنظيم ويسمح له بتغيير دمه في فترات قصيرة كما حدث منذ عام 2001 وحتى الآن .
و فيما يتعلق بالنقطة الأخيرة بالذات فان تجديد عناصر التنظيم يجعل أجهزة الأمن تفشل في متابعته ومراقبته. وهذا الأمر يعنى أنها لابد وان تعدل من قاعدة بياناتها عنه في فترات متقاربة، وهو ما يعني أيضا وجود ثغرات لديها يستطيع التنظيم أن يستثمرها في تنفيذ عملياته ويجعل الاستنفار احد الملامح الأساسية في مواجهة العناصر الأمنية للتنظيم وهذا الاستنفار عادة ما يعطي للتنظيم ثقة بالنفس وإحساساً بالقوة، وهو الأمر الذي يزيده قوة .
وإضافة إلى ما يتعلق بتأثير الحرب الأميركية على العراق، فان هناك سبباً آخر يتعلق بالموقف الأميركي والغربي عموما من الصراع العربي الاسرائيلي، ذلك أن الانحياز الواضح لإسرائيل على حساب القضايا العربية، دفع العرب إلى المزيد من المناهضة للسياسة الأميركية وعلى رأسها الحرب ضد القاعدة ،
وهذا الأمر في الطريق إلى الزيادة ويكفى هنا الإشارة إلى تصريحات وزير الخارجية الإيطالي ماسيمو داليما التي قال فيها إن سياسة الغرب بعزل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) يمكن أن تكون لها آثار عكسية وتدفع الحركة الفلسطينية في أحضان تنظيم القاعدة.
ذلك ان تهميش حماس التي فازت في انتخابات يناير عام 2006 رغم ان الغرب يصنفها على أنها «إرهابية»، لا يضع مثالا جيدا للديمقراطية.وأضاف «إنه خطأ أن تعطي لتنظيم القاعدة حركات مثل حماس وحزب الله».
وانطلاقا من حديث وزير الخارجية الايطالي، وسياسة الغرب تجاه القضايا العربية، نستطيع أن نرجح أن القوة التي وصل إليها تنظيم القاعدة مؤخرا، هي قوة في ازدياد وليست طارئة، أو عفوية، بل ويمكن أن تتعزز قوة التنظيم مستقبلا بالنظر إلى أن الأسباب الأصلية المؤدية لذلك لم تتغير بل هي في الواقع في ازدياد.
ومن الممكن القول أن المسؤول الأول عن ازدياد قوة القاعدة في الفترة الأخيرة هو الولايات المتحدة ذاتها التي تشن حرباً تستهدف القضاء على التنظيم بصورة نهائية. وهذا الأمر يعنى أن التنظيم نفسه استفاد من أخطاء خصومه، ولم تكن لديه استراتيجية للتعامل مع التطورات، التي تلاحقه لكنه في نفس الوقت أبدى قدرة فائقة على التكيف مع نفس التطورات وهو ما أدى إلى عودته وبقوة مرة أخرى إلى مقدمة الأحداث الدولية.
كاتب مصري