هذه الخطوة تعتبر واحدة من أهم بل وأخطر الخطوات الجريئة التي اتخذها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. ومنذ توليه منصب رئيس الوزراء ونائب رئيس الدولة، لم يغمض له جفن وكأنه يريد أن يحمل وحده هموم كل المواطنين في هذه الدولة.

وعندما نقول نائب رئيس الدولة فإنه أيضا يمثل كافة أعضاء المجلس الأعلى ومدعوم بهم، بدءا من رئيس الدولة حفظه الله إلى باقي حكام الإمارات الذين يعملون يدا واحدة بصمت واهتمام. فقرار تأسيس لجنة وطنية دائمة للتركيبة السكانية برئاسة الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية، جاء في اللحظة المناسبة.

وربما تنفس المواطنون الصعداء بعض الشيء وهم يقرأون هذا الخبر، بينما يواجهون يوميا على طرقات وشوارع الدولة سؤالا مصيريا: إلى متى ورقعة العمالة الأجنبية تغطي مساحة 80% من التركيبة السكانية لوطنهم الإمارات؟ إلى متى سيظل المواطن في حالة تقلص وانحسار واختفاء إلى درجة أن أحد الرسامين الكاريكاتوريين قدمه وهو على شكل تمثال يلبس الدشداشة والغترة والعقال ومعروض بين آثار المتحف؟!

جميع دول العالم خاصة الصناعية تستقطب العمالة الأجنبية، حتى الصين والهند! مع فارق بسيط ومهم وهو أن هاتين الدولتين لا تستقطبان من هب ودب، إنما الخبرات النادرة في مجال الصناعات الدقيقة وتكنولوجيا المعلومات. بينما الدول الأخرى سنت القوانين الصارمة للحد من دخول العمالة الوافدة، رغم أنها لا تزيد نسبتها عن 20% في أسوأ الأحوال، بل بالغت حتى من إجراءات الحصول على تأشيرة السياحة لبلدانها.

منذ زمن طويل بدولة الإمارات أصبحت الأبواب مشرعة دون حارس قانوني والنوافذ مفتوحة دون رقيب أمني، لدخول كافة أنواع العمالة الزائدة عن الحاجة وبأعداد هائلة تكاد لا توصف، وبمساعدة مباشرة وغير مكترثة من قبل العديد من المواطنين الذين يتاجرون بالتأشيرات وأصبحوا يطعمون أطفالهم من تلك الأموال التي يحصلون عليها سنويا.

هذا إضافة إلى المهاجرين غير الشرعيين الذين يتسللون يوميا من خلال ثغرات بحرية وبرية وربما جوية للنزول في فترة زمنية قصيرة وبعد مكاني محدد إلى الشارع العام وفي وضح النهار وأمام أعين الجميع، بحثا عن لقمة العيش أو للمزاحمة على الكعكة التي ربما ستلتهم قبل فوات الأوان.

كما أن لهؤلاء مناطق تجمع متعارف عليها لا تخفى على أحد، لكن لا يحرك أحد ساكنا. ويكفي إذا احتجت إلى عامل واحد فقط ليدهن لك أحد جدران منزلك الذي قضت عليه عوامل تعرية الزمن وبسبب الإمكانيات المادية المحدودة، أو تصلح سقف منزلك الإسمنتي الذي انهار فجأة على رأس أطفالك وهم نيام.

ما عليك إلا أن تذهب إلى المكان الفلاني وتوقف سيارتك جانبا حتى تهجم عليك كومة من العمال الآسيويين ويحيطون بك من كل جهة وصوب، وقبل أن تنبس بكلمة واحدة ستجد عشرة من الركاب الغرباء بروائحهم المزرية قد انحشروا في سيارتك وأنت لا تستطيع إخراجهم لأنهم لن يفهموا لغتك ولن تفهم لغتهم وعليك أن تستسلم للأمر الواقع، أو تعطف على هيئتهم وحالتهم المعدمة،

ولا تستكثر بالتالي خمسين درهما في اليوم لكل واحد منهم! وما يحصل معك يحصل مع غيرك، بل أن العديد من الشركات وخاصة شركات المقاولات الصغيرة والكبيرة تتبع نفس أسلوب استقطاب الأيدي العاملة، دون أن تتعب نفسها في دفع تكاليف التأشيرة والتذاكر والسكن والتأمينات وغيرها من المصاريف والإجراءات الرسمية الأخرى، ودون تحمل أدنى مسؤولية تجاه هؤلاء العمال حتى في حالة سقوطهم من الدور العاشر.

هذا إذا أردت عاملا. أما إذا أردت أن تعرف ما مكانتك واحترامك بين هؤلاء، فما عليك إلا أن تترك عائلتك في المنزل تشاهد التلفاز في يوم الجمعة، وتذهب إلى أحد الشوارع العامة المشهورة بتجمع هذه العمالة الوافدة في يوم راحتهم. وبالتالي ستعرف ما هي نسبتك بين هؤلاء.

وستكتشف بأن هذه السوق من أولها إلى آخرها محصورة عليهم ولهم، وسوف ينظر إليك هؤلاء بأنك غريب وستشعرك نظراتهم إليك بالحرج الشديد لأنك دخلت منطقة محظورة يكون فيها مدير المحل والبائع والصراف والعامل والمشتري والمتفرج والسائر من جنسية واحدة؛ فماذا جاء بهذه الدشداشة والغترة والعقال إلى هذا المكان؟

وأخبرني أحدهم بأن هذا الوضع قد تطور بشكل آخر أكثر غرابة في مواقع أخرى أكثر أهمية وأكثر ارستقراطية. فهناك بعض الشركات الأجنبية الكبرى تدار من قبل فريق عمل من الجنسية الأوروبية أو حتى الآسيوية، وأن دخول المواطن بالزي الوطني لأي أمر كان يجعل الجميع ينظر إليه باستغراب وشك وريبة وتلاحقه النظرات إلى أن يخرج بالضغط النفسي حتى ولو جاء لعقد صفقة تجارية.

في السابق كانت المضايقة تأتي عندما يشعر هؤلاء بأن المواطن جاء بنية العمل في هذه الشركة أو تلك. أما اليوم فإن الإحراج الذي يفتعله هؤلاء هو لمجرد إخطاره بأن هذا الموقع له خصوصيته وحرمته التي حددت لفئة معينة.

وأخبرني هذا الأخ، بأنه سمع في يوم من الأيام عن مصنع في إحدى الإمارات يقوم بصنع المراتب الطبية، فذهب مباشرة إلى هناك لكي يطلب مواصفات معينة من مدير المصنع، ولكنه عندما وصل إلى بوابة الموقع تم إيقافه من قبل حارس البوابة، وبعد سؤال وجواب ومكالمات هاتفية بين الحارس و إدارة المصنع استطاع أخيرا أن يصل إلى دهاليز المصنع.

وإذا بها مؤسسة ضخمة من رأسها إلى أخمص قدميها تدار من قبل جنسية آسيوية لا داعي لتحديدها، وبأنه عانى من الإهمال والنظرات المرتابة حتى من قبل الفراش الذي هو بالطبع من نفس الجنسية، إلى أن قرر العودة بخفي حنين.

من خلال سرد تلك القصة أردت فقط أن أوضح إلى أي مدى كبرت دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي تكبر في كل يوم مئة مرة وبخطى متسارعة جدا يصعب إيقافها الآن، فهناك التزامات وتعهدات وعقود تجارية طويلة الأمد لا يمكن إلغاؤها بجرة قلم.

وبعد أن كانت الإمارات قبل النفط (أي قبل 37 سنة فقط) لا تتعدى كونها مدنا صغيرة جدا لا تحتاج إلى وظائف لا تتعدى العامل والفراش ومن جنسيات تعد على أصابع اليد الواحدة، أضحت اليوم مؤسسات تجارية وصناعية عملاقة تتطلب أعدادا هائلة من الأيدي العاملة من مختلف الجنسيات بلغت اليوم 202 جنسية مختلفة تتكاثر في مساحات ضيقة.

وحيث أن هذه المؤسسات تحتاج إلى مواقع تمارس فيها أنشطتها، فقد تطلب ذلك بناء الأبراج العملاقة لإقامة مكاتبها وإداراتها المختلفة. وحيث أن هذه الأبراج قد تصل إلى عشرات الطوابق فوق وتحت الأرض، فكان لا بد من استيراد الأيدي العاملة لبناء هذه الأبراج أيضا.

وحيث أن هؤلاء العمال المستوردين من الخارج في جميع الأحوال بشر مثلنا، فلا بد من إيوائهم وإطعامهم ونقلهم وعلاجهم، وبالتالي تطلب الأمر بناء مدن سكنية ومطاعم وشوارع وعيادات طبية خاصة بهؤلاء العمال، وحيث أن هذه المدن السكنية والمطاعم والشوارع هي أيضا في حاجة لبناء، فلا بد بالتالي من استيراد أيد عاملة أخرى لبناء مدن الأيدي العاملة تلك، وهكذا دواليك، وأصبح الأمر يكبر ككرة الثلج التي لا يمكن وقفها.

وترتب عليه تدريجيا ازدحاما مروريا هائلا، دفع ثمنه المواطن أولا، وتلوث بيئي مخيف، دفعت ثمنه بيئة دولة الإمارات العربية المتحدة أولا، واختلال في التركيبة السكانية سيدفع ثمنه أبناؤنا في المستقبل أولا وأخيرا، إن لم تتخذ إجراءات صارمة للحد من تضخم كرة الثلج هذه وسقوطها في النهاية على رؤوسنا جميعا.

نحن لسنا ضد التنمية والتطور، ولا أحد يستطيع أن ينكر المستوى الحضاري المتقدم الذي وصلت إليه دولة الإمارات العربية المتحدة في كل المجالات، والسمعة العالمية التي اكتسبتها مع مرور الزمن. ولكن هذا التطور يجب ألا يكون على حساب أهل هذه البلد وسكانها الأصليين وعلى تقاليدها التي تتميز بها وعلى عاداتهم الطيبة.

والخوف كل الخوف من أن يفكر المواطن - كما حصل بالفعل - في الهجرة لأنه بدأ يتذمر ويشعر بأنه لم يعد في وطنه الذي ولد فيه! هناك خلل في التركيبة السكانية لدولة الإمارات العربية المتحدة، لا أحد ينكر ذلك. ومنذ زمن طويل والمواطنون بشتى مناصبهم ومسؤولياتهم وهمومهم وخاصة الباحثين الاجتماعيين والإعلاميين، يدقون نواقيس الخطر ولا أحد يستمع إليهم وكأنه جرس دراجة هوائية يقودها آسيوي في الاتجاه المعاكس في الشارع العام.

وأصبحنا نشعر بغربتنا في هذه البلد التي فتحت ذراعيها لكل من يريد أن يعيش بيننا. ثم ضاقت علينا السبل وكدنا نصبح غرباء في وطننا الذي طالما أنشدنا نشيده الوطني في كل مناسبة، ووصل الأمر بالمواطن العادي المفعم بالأمل بعد حصوله على شهادته الجامعية إلى أن (يشحت) وظيفة بائسة في مؤسسة أجنبية ضخمة جدا تدر عليها أعمالها أرقاما تفوق الخيال..

فيرفض، أو يتم تعيينه (بدون نفس) فيهمش ويحارب ويضيق عليه الخناق حتى يفر، أو لا يستسلم فيكلف بأعمال لا تناسب مؤهله العلمي، فيحقد على الجميع. لقد جاء قرار صاحب السمو الشيخ محمد في الوقت الذي كدنا نفقد فيه الأمل. والآن الدور على اللجنة التي شكلت. فالمطلوب منها الصرامة والوضوح والصراحة التامة، لأن على عاتقها يقع دور خطير جدا، والمواطنون الذين يمثلون اليوم 20% فقط من سكان دولة الإمارات العربية المتحدة ينظرون إليهم بترقب وانتظار.

فشكرا أولا لأصحاب السمو حكام دولة الإمارات العربية المتحدة جميعا لأنهم خلف هموم أبنائهم ومستقبل وطنهم، ليظل الوطن إماراتيا مئة بالمئة بتربته ومائه وهوائه وشمسه وشعبه الطيب، وشكرا لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لهذا القرار الجريء الذي سيكتب في سجل أعماله التي قدمها ويقدمها لاستقرار وأمن وأصالة هذا الوطن.

جامعة الإمارات