ثلاثة خطابات مهمة وجملة من التحركات والاتصالات وقعت خلال الأسبوع الماضي، وتتواصل تداعياتها لتلقي المزيد من الضوء على ما تنتظره المنطقة خلال ما تبقى من العام.
الفشل الأميركي الذريع وانعدام الخيارات في العراق، والفشل الذي تمنى به السياسة الأميركية في المنطقة، دفعت الرئيس الأميركي جورج بوش لإلقاء بيان يوم الاثنين الماضي السادس عشر من الجاري، لا يخطئ العقل السليم قراءته ومعانيه وأبعاده. لأول مرة يطرح الرئيس بوش فكرة الدعوة لمؤتمر دولي ترأسه وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، وتحضره العديد من الدول العربية والأممية والإقليمية الداعمة للسلام إلى جانب الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. المؤتمر الذي رحبت به إسرائيل على غير ما اعتادت عليه، لا ينطوي على تغييرات جوهرية في السياستين الأميركية والإسرائيلية اللتين لطالما رفضتا أي دور أو إطار فاعل لأية أطراف دولية أو عربية إزاء ملف السلام الشرق أوسطي، الأمر الذي يدعو للتفكير في أسباب وخلفيات هذه الموافقة وأيضاً في طبيعة المؤتمر وأهدافه.
ففي عام 2003 تجرأ رئيس الوزراء البريطاني السابق ومندوب الرباعية حالياً لعملية السلام، وتصور إمكانية إنجاح الدعوة في لندن لعقد مؤتمر دولي للسلام، غير أنه اضطر تحت ضغط الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحويل وجهته ليصبح مؤتمراً لمناقشة إصلاح السلطة الوطنية الفلسطينية. وبالمثل فشلت الدعوات المتحمسة التي تبنتها العام الماضي بقوة الدول الأوروبية الثلاث فرنسا وأسبانيا وإيطاليا، ولم ير المؤتمر الدولي النور رغم الدعم الفلسطيني والعربي للفكرة. البوادر والإشارة الأولية لإفراغ المؤتمر من مضامينه، جاءت مباشرة بعد خطاب بوش حيث استبعدت إسرائيل في المرحلة الحالية أي مفاوضات حول قضايا الوضع النهائي.
وعلى الخط ذاته أعربت مصادر أميركية مسؤولة عن انخفاض التوقعات من المؤتمر، الذي يصر الاتحاد الأوروبي والعرب والفلسطينيون على ضرورة إعادة إطلاق عملية السلام وبحث قضايا الحل النهائي. هذا يعني في أحسن الأحوال أن واشنطن ترغب في استمالة الدول العربية المعتدلة، وكسب دعمها، مقابل حوار حول كيفية مساعدة وتأهيل السلطة الوطنية، وربما حول فكرة الدولتين بمعزل عن بقية قضايا الحل النهائي، ولكن أيضاً في إطار مرحلي يقترب عملياً من الإطار العملي الذي تطرحه إسرائيل للدولة الفلسطينية على جزء من أراضي الضفة الغربية بالإضافة إلى غزة.
مقابل هذا البحث السياسي النظري الذي لا يحظى الرئيس جورج بوش بوقت كاف لتنفيذه على أرض الواقع بسبب قرب عام الانتخابات الرئاسية، تتطلع إسرائيل للحصول على دور إقليمي أكبر إزاء قضايا المنطقة، وعلى تحقيق تقدم ملموس في عملية تطبيع علاقاتها مع دول عربية لا تقيم معها علاقات حتى الآن. أميركا التي تواجه فشلا ذريعاً في العراق، وفي أفغانستان، وفي فلسطين بعد سيطرة حماس عسكريا على قطاع غزة، وبعد فشلها مع إسرائيل في لبنان، وإزاء الملف النووي الإيراني، ثم الوضع المتفجر في باكستان الحليفة لأميركا، جعلها تنظر بجدية لكيفية تحقيق مكسب أو مكاسب في المنطقة من قبل أن مواجهة الأزمة في العراق قد تستدعي خلق أزمات في محيطه.
ولذلك فإن من غير المستبعد أن تركيز الرئيس بوش خطابه حول عملية السلام في الشرق الأوسط سيرافقه أو يتبعه أعمال عسكرية جراحية لمعالجة بعض الأزمات، وأيسرها، وربما الأكثر ترجيحا من بينها الساحة الفلسطينية، وهو ما دعا الرئيس بوش لأن يحدد الخريف القادم موعدا للمؤتمر الدولي، بما يتيح وقتا كافيا لإجراء ما يمكن إجراؤه من عمليات جراحية. الرئيس السوري بشار الأسد الذي ألقى خطابه بمناسبة تجديد ولايته لسبع سنوات أخرى، وكان في اليوم التالي على بيان الرئيس بوش، لم يخطئ في قراءة الوضع حين حذر من أن المنطقة مقبلة خلال ما تبقى من العام على أحداث خطيرة وكبيرة. وربما لذلك وتجنبا لأن تكون سوريا عرضة لمثل هذه الأحداث، فإن الرئيس الأسد قدم رسالة مباشرة وواضحة جدا بشأن موقف بلاده الراغب بمتابعة المفاوضات مع إسرائيل بشأن عملية سلام تؤدي إلى إعادة الجولان المحتل إلى سوريا.
وعلى خط آخر وربما للأسباب ذاتها، يمكن تفسير المرونة الإيرانية الجديدة إزاء استعداد إيران للتفاوض مجددا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واستعدادها لمفاوضات ثنائية مع الولايات المتحدة بشأن الوضع في العراق والدور الإيراني هناك. الخطاب الثالث بعد خطابي بوش والأسد، وعلى التوالي ألقاه يوم الأربعاء الماضي الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام المجلس المركزي الفلسطيني الذي يبدو أنه سيعاد تفعيله لتعويض غياب المجلس التشريعي غير القادر على الانعقاد بسبب التضارب الشديد في مواقف حركتي فتح وحماس.
الرئيس محمود عباس وصف بأصعب الكلمات والصفات الوضع الذي نشأ في غزة إثر سيطرة حماس عليها بالوسائل العسكرية، وأعلن بصورة قاطعة عدم إمكانية العودة لاتفاقية القاهر في مارس 2005، أو اتفاقية مكة في يناير العام الحالي، واستبعد تماما إشراك حماس في عملية إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية. المواقف التي أعلنها الرئيس عباس في خطابه تعيد الأوضاع الفلسطينية إلى البدايات الأولى لظهور حركة حماس، حيث جاءت لتكون بديلا وتكون على خط مواز لمنظمة التحرير الفلسطينية. في هذا الإطار يلفت النظر طلبه من المجلس المركزي اتخاذ قرار بشأن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة، كوجه حل، وكاستكمال لطلب قوات دولية بغرض الإشراف على الانتخابات، ذلك أنه لا يمكن تقديم مثل هذا الطلب بدون قرار يعلل أسبابه.
على أن استخدام عباس مصطلح «أن حماس حفرت قبرها بيدها» وأنها ستلقى العقاب على ما فعلت، يؤشر إلى طبيعة الوسائل التي يمكن استخدامها لتحقيق العقاب، الذي لا يمكن أن يقتصر فقط على الحصار المشدد المضروب حول حماس. وهكذا يمكن التكهن أن مرحلة ما قبل المؤتمر الدولي في الخريف القادم ستشهد أحداثا ساخنة، قد تكون غزة ميدانها الأول وهدفها. وإذا كانت السلطة لا تملك الوسائل التي تملكنها من إنزال العقاب الذي تستحقه وفق الرئيس عباس، فإن السؤال الذي لا يجد له جوابا هو: من الذي يستطيع وما هو الثمن؟
كاتب فلسطيني
