«أميركا هي البلد الأكثر عنفاً في العالم على نحو لا يقاس لدى وضعها موضع المقارنة مع الأمم الصناعية التي تدرج فيها فئتها». تلك هي الخلاصة التي وصل إليها تقرير المدعي العام المحافظ السابق لكاليفورنيا، واليوم تخوض أميركا حرب العراق (وهي حرب شنتها إدارة بوش مختارة ضد بلد في حقيقة الأمر لم يهددنا). وقد لقي ما يزيد على 3500 جندي حتفهم جنباً إلى جنب مع مئات الألوف من العراقيين وشرد الملايين منهم.
ونحن نخوض حرباً كذلك في أفغانستان ضد طالبان ونقوم بدوريات في البوسنة ولنا قوات محتشدة على حدود كوريا الشمالية ولنا قوات عسكرية في أكثر من 700 قاعدة فيما يزيد على 130 بلداً على امتداد العالم وأساطيلنا تجوب بحار العالم فنحن شرطي العالم.
والحرب ليست شيئا غريباً على الولايات المتحدة فهناك حرب على الولايات المتحدة فهناك حرب 1812 وهناك 40 حرباً ضد قبائل الأميركيين الأصليين في الفترة من 1622 إلى 1900 وهناك الحرب مع المكسيك في 1848 التي جلبت لنا معظم الغرب من كاليفورنيا إلى أريزونا.
وهناك الحرب الأهلية التي امتدت من عام 1861 إلى 1865 والحرب الأسبانية ـ الأميركية، التي امتدت من عام 1898 إلى 1902 والحرب العالمية الأولى والثانية وحرب كوريا وحرب فيتنام من 1959 إلى 1975 وحرب الخليج الأولى في 1991 ويوغوسلافيا في 1999 وأفغانستان والعراق اليوم وهذه القائمة لا تشمل عمليات حربية (ما يزيد على 200 عملية حربية أمر بها رؤساء مختلفون حشدوا قوة عسكرية في الخارج) بما في ذلك من الناحية الفعلية احتلال جميع بلاد بحار الكاريبي وآسيا الوسطى ولا ننسى في غمار ذلك العمليات السرية والجيوش السرية التي ساعدت أو حاولت الإطاحة بالأنظمة في إيران، كوبا، نيكاراغوا، غوتيمالا، وغيرها كثير.
وقد شهدت الولايات المتحدة 4 آلاف عملية شغب من القرن السابع عشر وحتى عام 1992 حسبما يذكره بول جيلجو في كتابه بعنوان «الشغب في أميركا» حيث لقي 2 مليون شخص مصرعهم أو أصيبوا بجروح خطيرة وهو ما يعني متوسطاً قدره ما يزيد على 5 آلاف شخص سنوياً على امتداد 400 سنة، ولدى الأميركيين أسلحة ومسدسات أكثر من غيرهم وهم يعانون أكثر من غيرهم أيضاً من جرائم ترتكب بها ونحن نبيع من المسدسات والبنادق والمعدات العسكرية ما يفوق ما يبيعه أي بلد آخر في العالم وميزانيتنا العسكرية تبلغ على وجه التقريب نصف الميزانية العسكرية للعالم كله.
إن العنف ليس جزءاً من تاريخنا وإنما هو مزروع في ثفافتنا وعلى وجه التحديد في التلفزيون، ألعاب الفيديو، وموسيقى وثقافة العنف تغزو حياتنا من منازلنا إلى مدارسنا وبيئات عملنا وعلاوة على ذلك فإن العنف في حد ذاته قد أصبح ترفيهاً وجرى تلميعه في سلوك الأبطال الخياليين والواقعيين كليهما. وعلى نحو يدعو إلى السخرية، فإن العنف غير فعال بصورة واضحة. فمؤسستنا العسكرية لم تكن يوماً أكثر قوة منها اليوم، وبلدنا لم يشعر بأنه أكثر عرضة للتهديد إلا ما ندر.
هناك أولئك الذين يدعون إلى تحمل ثقافة الحياة، ولكنهم من يتسلقون لكل حرب للخيار. وتعد جماعة ضغط الأسلحة، وجماعة ضغط السجن والمؤسسة العسكرية الصناعية من ضمن أقوى جماعات الضغط في المصالح الشخصية في رأس مال الأمة.
وقد تحدى كينغ هذا الالتزام بالعنف، وطرح مسألة اللاعنف على أنها مقياس فعال للتغيير. وذهب إلى القول إن المرء ليس بمقدوره جلب الديمقراطية إلى رأس حربة. وأي مجتمع ينفق أكثر على المغامرة العسكرية من الإنفاق على الاحتياط الاجتماعي هو مجتمع ضل طريقه.
والآن، في أعقاب الكارثة التي ألمّت بالعراق، مع العنف المتزايد مجدداً في هذا المجتمع، آن الأوان لتغيير المسار. ينبغي علينا تحدي العنف في أميركا. يتعين علينا بناء ثقافة اللاعنف، وهي ثقافة تتحدى الافتراض القائل إن العنف هو الأسلوب الأميركي. على الأقل، ينبغي علينا أن نسأل: هل تأمين العالم يجعلنا أكثر أمناً؟ وهل إلغاء قوانين التحكم في الأسلحة أضاف إلى أمننا إلى أحيائنا؟ ألم يئن الأوان لأميركا للنظر ملياً إلى العنف الذي يكمن في قلب تاريخنا وحاضرنا؟
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ«البيان»