عاش الإنسان الأوّل متنقّلاً في بقاع الأرض باحثًا عن ذاته جاهلاً منابع القوّة فيه، اصطاد الحيوانات ليسدّ جوعه، خاف معالم الطبيعة فقدّسها، هاب الوحوش فعبدها، إلى أن أتت الأديان السماويّة فنظّمت حياته وبلورت أفكاره مشرّعةً قوانين وقيماً هذبت روحه فأصبحت ملجأ له في ضعفه وسندا له في بؤسه وأصبح الإنسان ما أصبح عليه...
لكن ما الذي أصبح عليه؟ هنا القضيّة الكبرى وهنا المفارقة العظيمة. لطالما اعتبرت الدين خطا أحمر وعهدت على نفسي ألا أتناوله في مقالاتي بشكلٍ ظاهرٍ فزلّة اللّسان في هذا النطاق حسابها كبيرٌ وإذا أمكن القول حسابها الاتّهام بالتعصّب الديني ولن أحتمل أن أساهم في محوِ حضارتي وثقافتي وإيماني عن الوجود، يقال إنّ التعصّب والتطرّف يقتل الدين لست أدري هكذا يقال!!! لكن في بعض الحالات التعدّدية الطائفيّة والمذهبيّة التي تُهلكنا، تفرض علينا المشاركة في جزء من الرأي غالبا ما يكون صادراً عن خلفيّة دينيّة مترسّخة فينا من دون أن ندري.
في حالتي أعلم أنّي لن أحاسب لأنّ من سوف أتناولهم لا يمتّون إلى الدين بصلة أصلاً فلا الدين سيعاتبني ولا ربّ العالمين! كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن الحركات الإسلاميّة المتطرّفة أو الإرهابية، التي تفتّحت العيون عليها من بعد تفجيرات 11 سبتمبر في نيويورك فأصبح زعماؤها أشهر من أكبر مخرجي هوليوود وتنظيم القاعدة أكبر فريق إنتاج عرفته السينما العالميّة.
لست أهرّج ولا أتكلّم من باب النكتة لكنّي أحاول تبسيط الوقائع التي أصبحت حقيقةً مرّة ، خاصّة وأنّ هذه التنظيمات التي تنادي باسم الدين والإسلام مدّت بساطها إلى دول كثيرة. فأحداث المسجد الأحمر في باكستان وإرباك المؤمنين وحجزهم داخل بيت اللّه بيت الدين الذي يقاتلون باسمه، لا يقلّ أهميّةً عن الأحداث في العراق، وقتل الأبرياء في غزّة، وأحداث نهر البارد في لبنان وفتح الإسلام.. ربّاه أيّ إسلام هذا وهل يعرفون ما معنى الإسلام. ويلٌ لأمّة يُستثمر الدين فيها للقتل، التنكيل بالأبرياء، إلغاء الآخر بقوّة السلاح والبطش تحت اسم الجهاد.
أيّ جهاد هذا الذي يدّعوه؟ لا بدّ أنّهم أفرطوا بالتأثّر بالإنسان الأوّل، على الأقلّ ذاك كان يقتل الحيوانات ليقتات منها، هل أصبحت الأرواح البشريّة الحيّة خبزهم كفاف يومهم؟ لا بدّ أن أشير أنّ التمسّك بالماضي يكون لتطوير المستقبل والتعلّم من الأخطاء...
إذا رجعنا إلى كتب السيرة، مشركو قريش كانوا اشدّ بطشًا مِمّن يعتبرونهم أعداء الإسلام اليوم، مع ذلك لم يهدر النبي (صلى الله عليه وسلم) دماء الأبرياء منهم باسم الدين. ممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الجماعات تنجح في التأثير في شريحة كبيرة من المسلمين لأنّها لا تتحدّث إلى الجماهير بمصطلحات يجهلون مدلولاتها إنّما بلغةٍ دينيّة تُعيد توظيف الآيات والأحاديث والفتاوى ضمن سياق مختلف، ثوري وعنيف ولكنّه مفهوم ومؤثّر.
حرامٌ أن يوضع الإسلام والإرهاب في بوتقةٍ واحدة، فالقرآن الكريم لم ينه عن الديانات السماويّة الأخرى. إذا كان هؤلاء المتطرّفون يتمرّدون على النظام السياسي الاجتماعي والاقتصادي، فلماذا يدّعون فرض الإسلام كما يزعمون؟ هذا الدين الشريف بريء منهم لأنّه دينٌ موجودٌ في الأصل فرض نفسه بقيمه وقوانينه وأعطى الإنسان الفسحة كي يثبت وجوده كإنسان كريمٍ، خيّرٍ، مسالمٍ، ومحبٍّ لأخيه الإنسان فلماذا يشنّون حرب إلغائهم للبشريّة باسم الدين؟
هذا ما أصبح عليه الإنسان!!
أنا وأنت، أنت وأنا...
لا حلّ لهذه المشكلة إلاّ في خلق مناخ من الديمقراطية وتثقيف جيل الشباب المهدّد بشكل مباشر، بالإضافة إلى إنهاء كلّ ما يسمّى بالدين السياسي، أشدّد على «السياسي»، إسلامياً كان أو مسيحياً، أي بكلمة أن يتكلّم العربيّ مع أخيه العربيّ كقيمة اجتماعية لا كمنصبٍ يسعى إليه أو كأرضِ ينوي التسلّط عليها.
يبدو أنهّم أصابوا عندما ذكروا أنّ العصبيّة والتطرّف مقبرة الدين.
لذلك أقول الدين صانكم، حماكم، علّمكم، جمّل أرواحكم، فلماذا تظلمونه وتقبرونه؟
كاتبة لبنانيّة