كنت قبل شهر في متحف اللوفر الشهير في باريس، حيث أحرص في كل زيارة لي لهذه المدينة الجميلة أن أعرج على اللوفر لأكتشف فيه شيئاً جديداً في كل مرة، حتى الأعمال الفنية التي سبق وأن رأيتها من قبل أجد فيها شيئاً جديداً، فاللوحة التي تمثل تنصيب نابليون بونابرت إمبراطوراً على فرنسا، على سبيل المثال، تقول الكثير وتخفي الكثير خلف وجوه معظم الذين حضروا ذلك الحفل الذي قام فيه البابا بتنصيب نابليون، ولكن يصعب على الناظر إلى اللوحة أول مرة أن يقرأ جميع الرسائل المخفية التي تحويها.
إلا أن أجمل ما في اللوفر ليست قاعاته الشاسعة بما تحويه من أعمال فنية ولوحات جدارية، بل الأطفال الذين لا تكاد تخلو قاعة من شغفهم لمعرفة كل شيء. ففي اللوفر شاهدت مجموعة من طلبة المدارس جالسين على الأرض يستمعون إلى شرح المرشدة التي كانت برفقتهم عن بعض الأعمال الفنية، وكانت تلك المرشدة تختبر معلوماتهم وهم يتنافسون في الإجابة على أسئلتها حتى بدوا وكأنهم إحدى لوحات ليوناردو دافينشي التي تحير كل من يتمعن فيها.
عندما رأت المرشدة التي كانت معنا الدهشة والإعجاب على محيانا قالت لنا إن زيارة اللوفر هي جزء رئيسي من أنشطة المدارس الفرنسية منذ عشرات السنين، وأن على كل طفل أن يلخص ما رآه في اللوفر ويقدمه كفرض مدرسي إلى معلمته، وعليه أيضاً أن يتحدث لزملائه عندما يعودون إلى المدرسة عن عمل فني واحد بلغته البسيطة ودون الخوض في تفاصيل العمل وجمالياته... فالهدف من هذا النشاط هو زرع حب الثقافة وتقديرها لدى الأطفال، وليس اختبار ذكائهم.
وقبل يومين شاهدت في لندن دعايات عرض فيلم «هاري بوتر» الذي أصبح على مر السنين ماركة عالمية مسجلة لكاتبته «جوان رولينغ» التي كانت معدمة في يوم ما وأصبحت اليوم أحد أغنياء العالم المشهورين، حيث بيع من روايات بوتر أكثر من 325 مليون نسخة حول العالم، وترجمت الروايات إلى أكثر من 63 لغة وبلغت أرباحها أربعة مليارات دولار، ووصل الإقبال على شراء الروايات إلى درجة أن دار Banes & Noble الشهيرة تلقت أكثر من خمسمئة ألف طلب شراء للنسخة الأخيرة من الرواية على موقعها الإلكتروني قبل أشهر من طرحها في الأسواق.
لقد أحدث هاري بوتر تأثيراً كبيراً على ثقافة الطفل في مختلف بلدان العالم، ففي تقرير القراءة الخاص بالأطفال والأسر الذي تعده مؤسسة يانكي لوفيتش تبين أن 51% من قراء هاري بوتر الذين تقع أعمارهم بين الخامسة والسابعة عشرة قالوا بأنهم لم يقرأوا كتباً للتسلية قبل بوتر، كما تبين أن 65% من الطلبة الذين قرأوا إحدى روايات بوتر تحسن مستواهم الدراسي في المدرسة. وتقول الدراسة بأن رغبة الأطفال للقراءة بشكل عام تنخفض عندما يتخطون سن الثامنة، إلا أن قراء بوتر زادت رغبتهم للقراءة والاطلاع بعد هذه السن بل إنها ظلت في ازدياد مع مرور الوقت، وبعد صدور الجزء الأخير من الرواية قال أكثر من 51% من محبيها بأنهم سيبحثون عن كتب أخرى ليقرأوها.
أما بالنسبة للتحصيل الدراسي فإن الدراسة قد أظهرت بأنه أكثر من نصف قراء بوتر ارتفعت درجاتهم بشكل مطرد مقارنة بزملائهم الذين لم يقرأوا الرواية، بالإضافة إلى أن قدرات هؤلاء الطلبة اللغوية قد تحسنت بشكل ملحوظ جدا، حتى أن مؤشر الثقة بالنفسة الذي تقيسه المدارس قد ارتفع لدى الطلبة الذين قرأوا بوتر، حيث ارتفعت نسبة المؤشر إلى أكثر من 81% لدى هؤلاء الطلبة الذين عندما سئلوا عن نظرتهم لأنفسهم قالوا بأنهم أصبحوا قادة.
وفي استبيان لذوي الأطفال الذين قرأوا إحدى روايات بوتر قال 89% بأن أبناءهم وبناتهم أصبحوا يحبون القراءة أكثر عن ذي قبل وأصبحت القراءة إحدى المتع التي يقومون بها في أوقات فراغهم. وفي مقابلة مع مجموعة من الأطباء في مستشفى جون رادكليف في أوكسفورد قالوا بأنه يومي السبت 11 يونيو 2003 و16 يوليو 2005 وهما يوما إصدار جزأين من رواية هاري بوتر كان عدد حالات الأطفال الحرجة التي أتت إلى المستشفى 36 مقارنة بمتوسط عدد حالات الأطفال التي تأتي أيام السبت الأخرى والتي تبلغ 63 حالة.
لقد ألهم هاري بوتر العالم وصنع مجتمعات جديدة، فخرجت فرق موسيقى تحمل أحد أسماء أبطال بوتر أو طريقة لباسهم أو غير ذلك من المظاهر التي وصفتها الرواية وأظهرها الفيلم، وأضاف هاري بوتر مصطلحات جديدة في قاموس أوكسفورد العريق وفرض على تصنيف New York Times للكتب طرح قائمة جديدة ـ مما يعده البعض تغيرا جذرياً في عالم النشر ـ خاصة بكتب الأطفال، وقامت بعض الجامعات كجامعة كاليفورنيا بطرح مادة دراسية عن روايات بوتر التي تمثل أحد أساليب الأدب العالمي الحديث.
لقد أعاد هاري بوتر الثقافة والقراءة إلى حياة الأطفال ووضعها على سلم أولوياتهم، حتى بدأ العديد من الأطفال يقرأون الرواية لكي لا يشعروا بأنهم من كوكب آخر ـ على حد تعبيرهم ـ ولكي لا يصبحوا غرباء بين زملائهم. عندما أعلن ناشر الرواية عن عزمه طرحها في الأسواق اصطف الناس أمام المكتبات لمدة ثلاثة أيام حتى يحصلوا على نسخها الأولى، ونام بعضهم في الشوارع كأنهم مشردون... وعندما طرح باولو كويلهو روايته الزهير قبل سنتين تعطل المرور في شوارع باريس بسبب ازدحام الناس أمام المكتبات لشراء النسخ الأولى... فلماذا يقرأ هؤلاء الكتب ونكتفي نحن بمشاهدة الأفلام؟ ولماذا يزرعون في أبنائهم حب الاطلاع والثقافة ونزرع في أبنائنا عبوات ناسفة؟ ولماذا لا يفجّر هاري بوتر نفسه عندما اختلف مع زملائه؟
ربما لو كان عربياً لفعل.
باحث إماراتي