تتطلع روسيا لأن تصبح عملاق الطاقة العالمية في العقود القادمة، وقد حققت خطوات ملموسة في هذا الطريق في قطاعي النفط والغاز، حيث أصبحت ثاني أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم بعد السعودية ومازالت هي المنتج والمصدر الأول في العالم للغاز الطبيعي.
وتتطلع روسيا لاختراق المجال الثالث في الطاقة وهو الطاقة النووية التي يرشحها المراقبون لأن تصبح الطاقة الأولى في العالم قبل منتصف القرن الجاري، وتتمتع روسيا في مجال الطاقة النووية بمميزات كثيرة منها تصنيع تكنولوجيا الطاقة النووية على أحدث المستويات، وخبرة عالمية في بناء وإعداد محطات الطاقة النووية يشهد لها الغرب، وأيضا امتلاكها لمصادر وفيرة من الوقود النووي لتفوقها في إنتاج اليورانيوم.
أما الميزة الأكبر التي تعوق أي دولة أخرى أن تنافس التكنولوجيا النووية الروسية فهي انخفاض تكلفتها بفارق كبير عن التكنولوجيا الغربية وضمانات الصيانة وتوفير الوقود النووي لسنوات طويلة، وقد شهدت الأعوام الثلاثة الماضية تقدما ملحوظا لتكنولوجيا الطاقة النووية في الأسواق العالمية بحيث وصلت التعاقدات الروسية لتشييد محطات طاقة نووية في مختلف بلدان العالم أكثر من أربعين محطة في نحو ثلاثين دولة.
تعتبر الشركة القابضة الحكومية أتوم أنيرجو بروم (مؤسسة صناعة الطاقة الذرية) التي وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أخيراً مرسوماً حول استحداثها، وليدة لعملية إعادة التنظيم الواسعة النطاق التي يشهدها القطاع النووي الروسي خلال العامين الأخيرين.
فهي تمثل في الواقع القاعدة التكنولوجية الضرورية لتنفيذ تلك الخطط الهامة التي أعدتها روسيا سعيا منها إلى رفع إمكانيات صناعة الطاقة الذرية النووية والارتقاء بها إلى مستوى نوعي جديد لا يقبل المنافسة من ناحية التقنية.
وكانت وكالة الطاقة الذرية الروسية صاحبة المبادرة وواضعة برنامج التحديث تدرك أنه من المتعذر تحقيق إعادة تنظيم القطاع بدون الدعم من قبل الدولة. ولذلك كانت الخطوة الأولى التي قام بها المصلحون هي تبني البرنامج الفيدرالي لإستراتيجية تنمية قطاع الطاقة الذرية (2006) والذي وافق عليه البرلمان وذيله بتوقيعه رئيس الدولة.
وبعد صدور وثيقة ذرية هامة أخرى - قرار الرئيس باستحداث جمعية مساهمة مفتوحة تسمى بأتمو أنيرجو بروم - ارتسمت صورة ملموسة للتكوين الجديد. وتبذل في الوقت الراهن كل الجهود اللازمة من أجل نفخ روح الحياة في هذا الجسم الجديد وفي مقدمتها وضع الميثاق وتقييد الموجودات التي ستشملها الشركة القابضة الحديثة النشوء. وعلى حد تعبير نائب مدير وكالة الطاقة الذرية الروسية فلاديمير ترافين .
فإن قرار الحكومة الذي سيحدد طريقة تشكيل الشركة سيصدر على الأرجح العام الجاري فيما ستستكمل عملية تنظيمها بصورة نهائية مع حلول عام 2008 لتصبح أكبر شركة عالمية لإنتاج الطاقة النووية وسوف تبسط شركة أتوم أنيرجو بروم سيطرتها على كل البرامج النووية السلمية وكل المؤسسات المدنية للقطاع النووي في روسيا.
وفي المرحلة الأولى سوف تسلم الدولة إلى الشركة القابضة حصصها من أسهم حوالي ثلاثين شركة على أن تسلم إليها في المراحل اللاحقة حصص الدولة في 55 شركة أخرى. ومن شأن الهيكل العمودي لشركة أتوم أنيرجو بروم أن يستعيد الصلة بين حلقات دورة الإنتاج الطبيعية: استخراج خام اليورانيوم وتخصيبه وإنتاج وإعادة تصنيع الوقود النووي وتصميم وبناء المحطات الكهرذرية.
ولا نستطيع القول بأن فكرة إقامة شركة احتكارية ضخمة ذات هيكل عمودي في مجال الطاقة الذرية ستكون سهلة التحقيق والتنفيذ والتطلع للسوق العالمية، حيث ستواجه هذه الشركة منافسات قوية من شركات عملاقة ذات خبرة قديمة في هذا المجال مثل الشركات العملاقة الألمانية Areva - Siemens والأميركية اليابانية General Electric - Hitachi وأختها Westinghouse - Toshiba التي تتمتع بقدرة عالية على المنافسة وبقدر كبير من الأمانة والاستقرار.
وسوف تصبح أتوم أيرجو بروم منافسة مباشرة (وربما شريكا) لهذه الاتحادات الدولية. ولكن الخبراء يعتقدون أن الشركة القابضة الروسية تتمتع بأفضلية تنافسية واضحة كونها تضم كامل الدورة التكنولوجية بدءا باستخراج الخام وانتهاء بتوليد الطاقة، كما تملك المميزات التي ذكرناها من قبل بخصوص الأسعار والصيانة وتوفير الوقود النووي،
كما أن الهيكل الاحتكاري الداخلي لهذه الشركة القابضة الروسية يتسم بعدد من المزايا الهامة يجعلها تحقق أرباحا أعلى من الشركات الأجنبية الأخرى ومن ضمنها تخفيض النفقات الداخلية وجهاز الإدارة الموحد والقدرة على المناورة في مجال رسم الأسعار.
من شأن تشكيل الشركة القابضة الروسية للطاقة النووية أن يساعد على تنفيذ خطة بناء 26 وحدة توليد جديدة في البلاد خلال السنوات ال12 القادمة وعلى تكثيف عملية بناء العشرات من المحطات الكهروذرية في الخارج وحل مسائل استخراج وتخصيب اليورانيوم والتنقيب عن المكامن الجديدة واستثمارها وتطوير البحث العلمي والتصميم وإنشاء مؤسسات جديدة لبناء معدات الطاقة وتحديث الموجود منها.
و سوف تتولى هذه الشركة القابضة حل أزمة الكوادر العلمية في مجال الطاقة الروسية، هذه الأزمة التي عانت منها روسيا خلال السنوات ال15 الأخيرة التي كان المجتمع خلالها يستعيد استقراره بعد هزة انهيار الاتحاد السوفييتي وتغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي ويتعود على القيم الليبرالية وإصلاحات السوق، حيث انقطعت في العديد من المؤسسات استمرارية تعاقب الأجيال.
وهاجر العديد من علماء وخبراء الطاقة النووية الروس للخارج، أما الآن فالأوضاع تختلف. ومما يبعث على الأمل أن الدولة توظف موارد مالية كبيرة في حل مشاكل القطاع. وتوفر مثل هذه القاعدة المالية المتينة المدعومة من الدولة والتي تتعدى الثلاثمئة مليار دولار التي تنوي الدولة رصدها لهذا القطاع حتى عام 2015 إمكانيات واسعة في جذب وإعداد الخبراء والكوادر العلمية وأيضا استعادة العلماء والخبراء الروس المهاجرين للخارج.
وسوف يتضمن بنيان شركة أتوم أنيرجو بروم ثلاثة مراكز تعليمية كبيرة لإعداد الكوادر. ويتعامل القطاع منذ الآن على نطاق واسع مع المعاهد العليا المتخصصة في هذا المجال مثل معهد الهندسة والفيزياء في موسكو والمعهد البوليتكنيكي في الأورال وجامعة تومسك وغيرهم.
وهذا إيمانا من القائمين على الشركة بأنه لا تقدم ولا نجاح بدون توفير القاعدة العلمية الكاملة للمشروع. مما لا شك فيه أن إقامة الشركة القابضة سوف تدشن عصرا جديدا في تطور الطاقة الذرية في روسيا وانطلاقها للمنافسة القوية في السوق العالمية، وستلعب دورا كبيرا في جعل روسيا عملاق الطاقة العالمي في القرن الواحد والعشرين.
جامعة سيبيريا
