ما زال التهميش الذي تعانيه اللغة العربية بين أهلها الذين يُفتَرَض أن يكونوا ناطقين بها، يسبب لنا حالة من الدهشة التي تقترب من تخوم الصدمة، على الرغم من كل ما يمرّ علينا من مواقف يومية أو شبه يومية، وعلى الرغم كذلك من كل ما نسمعه ونقرؤه عن تردي حال اللغة العربية بين شعوب تُكنى بالناطقة بالضاد، حتى إن لم تعد هناك «ضاد» في كلامها.

يأتي هذا الكلام في سياق عدة مواقف تعاقبت خلال اليومين الماضيين أدخلتني في دوامة التفكير بهذه اللغة العربية التي لم تعد تجد لها بين أهلها ناطقا بها، إلا ما تناله داخل بعض صفوف اللغة العربية وقاعاتها في المدارس والجامعات، وما تناله من حظ في بعض المؤتمرات التي تُنظَّم باللغة العربية،

والتي غالبا ما ينظمها المتخصصون في اللغة العربية، أما المؤتمرات المتعلقة بتخصصات أخرى فإنها في معظمها، إن لم نقل جميعها، تعتمد اللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية، وربما غيرهما، ولا تجد اللغة العربية مساحة بسيطة لتبرز نفسها من خلالها.

ولا بد من ذكر شيء من هذه المواقف التي أصبحت في عرف كثير منا طبيعية ومألوفة، ولا تستحق التوقف عندها أو شغل النفس ـ والناس- بها، إلا أنها لا تزال ـ عند آخرين يربطون ربطا مباشرا بين اللغة والهوية - مصدر ألم وجرح يُنكأ كلما تكرر الإحساس بأننا نعيش في عالم لا يحترم لغتنا، لأننا نحن لا نحترمها أساسا.

ولأن المواقف متشابهة إلى حد كبير، ومعظمها مما لا يصح ذكره إلا بذكر التفاصيل المتعلقة بالأشخاص والزمان والمكان حتى تتضح المواقف وتُفهَم بشكل دقيق وهو ما لا أملك الخوض فيه- لذلك سأكتفي بموقف واحد، قد يكون كافيا ومغنيا عن البقية.

حدث الموقف بيني وبين موظف في إحدى المكتبات العامة، حين كنت أبحث عن مقالة في دورية لا أعرف رقم تصنيفها، فتوجهت لأحد الموظفين طلبا للمساعدة، فقال لي يمكنك أن تجديه إلكترونيا من خلال جهاز الحاسوب، وسمح لي مشكورا باستخدام جهازه بعد أن سألني: هل تجيدين الطباعة باللغة العربية؟

وفي دهشة شديدة أجبته بالإيجاب، فتنحى عن مكانه ليسمح لي بالمرور، ولكني لم أملك إلا أن أطرح عليه السؤال الذي كان يتردد في داخلي، فقلت له وأنا أتوجه نحو الجهاز الذي أشار إليه: ألا تجيد الطباعة باللغة العربية؟! فلم يجب، ولكنه اكتفى بحركة بيديه تحمل معنى (وما حيلتنا؟).

ليس الأمر أمر طباعة أو عدمه، إن الأمر أعمق من هذا، لأن هذا الشخص موظف في مكتبة عامة، تعد واحدة من أكبر المكتبات الرئيسية في الدولة، وهو لا يجيد الطباعة بالعربية، ومضمون كلامه أنه يجيد الطباعة بغيرها، لذلك سألني سؤالا محددا قائلا: هل تجيدين الطباعة بالعربية؟

ولم يقل: هل تجيدين الطباعة (بشكل عام)؟ مما يدل على أنه يتوقع أن يجيد الجميع الطباعة باللغة الإنجليزية مثلا، لكنه غير متأكد من القدرة على الطباعة باللغة العربية، لذلك توجه بذلك السؤال الذي بدا لي غريبا ومستنكرا.

ما يقبع خلف هذا السؤال هو الخطير في رأيي، فما الذي يجعل عملية الطباعة باللغة العربية متعسرة عند هذا الموظف الذي يمثل نموذجا لواقع عدد كبير من موظفينا، في حين تبدو الطباعة باللغة الإنجليزية متيسرة؟ مبدئيا لا تبدو الإجابة صعبة؛ فالأمر الذي يتم تكراره دائما يُؤلَف،

ويصبح سهلا ويسيرا حتى إن بدا صعبا في البداية، وفي الوقت نفسه فإن الأمر الذي يُستبعد من دائرة الممارسة اليومية يصبح من أصعب الأعمال، حتى إن كان سهلا في أساسه، ويصبح انعدام الألفة النفسية عائقا يحول دون القدرة على التأقلم معه،

وهذا هو الحاصل عند كثير من موظفينا الذين أصبحوا يعملون على برامج حاسوبية باللغة الإنجليزية، ويكتبون مراسلاتهم باللغة الإنجليزية كذلك، ويتواصلون فيما بينهم بها، ويستخدمون مصطلحاتهم الوظيفية وكل شيء آخر باللغة الإنجليزية، حتى ليظنهم الظانّ أجانب استقروا في بلاد العرب، حتى اكتسبوا سحنتهم وملامح وجوههم، وبقي اللسان منهم دون أن يُمَسّ.

ولكن المتأمل فيما خلف هذه الرطانة الظاهرة باللغة الإنجليزية، أو بأي لغة أخرى غير العربية، سيجد أنها تضرب جذورها بعمق في نفوس الكثيرين من أبناء جلدتنا، إما برغبة حقيقية في ذلك، أو نتيجة اضطرار شديد إليه، إذ يبدو أن طريق من لا يتقن الإنجليزية مسدود «بالثلاثة»،

على الرغم من الدعم الذي تجده اللغة العربية على المستوى الرسمي، حيث نجد ذلك في ما نصّت عليه الاستراتيجية الوطنية التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وكذلك في توجيهات الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان نحو الاهتمام بالثقافة العربية وتوجيه الطلاب للقراءة بلغتهم وحرصه على تزويدهم بالكتب التي تعينهم على ذلك كما وكيفا.

وبالعودة للموقف السابق، فإن النتيجة التي يمكنني أن أستنتجها من هذا الموقف ومن غيره، هو أن اللغة العربية لا تكاد تجد لها مكانا على مستوى المراسلات والمعاملات في بعض دوائرنا ومؤسساتنا، حتى الثقافية منها، التي تقدمنا للآخر بواسطة اللغة. وحين تغيب اللغة وراء لغة أخرى دخيلة، حتى إن كانت لغة القوة، ولغة العصر، فإنها تغيّب معها أشياء كثيرة، هي جزء أساسي منا،

ولا يمكننا التعويض عنها مهما حاولنا ذلك بطرق كثيرة ومبتكرة ومتجددة، ومهما حاولنا إيجاد بدائل وحلول لم يسبقنا إليها أحد، لأننا ـ ببساطة- لم نعد نحن، وأصبحنا شيئا آخر، ربما لا نعرفه أو لا نستطيع أن نعرفه، وهو ما يجعل سؤال الموظف: هل تجيدين الطباعة باللغة العربية؟ يمثل جرس خطر يُدق كي يحفزنا للتحرك الفعال، قبل أن يأتي يوم لا نعرف فيه أنفسنا أو أبناءنا.

هذا موقف واحد، وما يخفى لا شك أعظم، ليوازي عظمة الخطر المحدق بنا وبلغتنا، ونحن لا نتحرك لفعل أي شيء، في انتظار شيء لا نعلمه، وهذا ما لن يكون في صالحنا. وفي هذا السياق، أجد في نفسي رغبة ملحّة في المطالبة بإصدار قانون يلزم جميع موظفينا بالتعامل باللغة العربية كتابة ومحادثة،

طالما كان التواصل قائما بينهم وبين العرب سواء من بقية الموظفين أو المراجعين أو غيرهم، ولا يلجؤون إلى الإنجليزية أو غيرها إلا إن اقتضى الموقف ذلك، كعدم معرفة الطرف الآخر بالعربية، مع أن هذا في حد ذاته يعدّ وضعا مخزيا لنا، لأن الدول الأخرى تجبر الوافدين إليها على اكتساب لغتها وثقافتها، في حين ننزل بطيب نفس عن لغتنا وثقافتنا لصالح لغات وثقافات أخرى.

قد تكون البداية في الالتزام باللغة العربية بين موظفينا أنفسهم، وبينهم وبين المراجعين، ثم قد تأتي الخطوة الثانية، وهي إلزام جميع من يأتي للدولة بهدف العمل بتعلم العربية، وهي وإن كانت تشبه الحلم الآن، إلا أنها لن تكون مستحيلة إن وجدت الإرادة فقط، وبهذا تلتمع صورتنا ـ الملتمعة أساسا- أكثر، ويزيد بهاؤها -وهي البهية أصلا بين بقية الشعوب والأمم أضعافا مضاعفة.

جامعة الامارات

sunono@yahoo.com