يبدو أن قطار «الفوضى الخلاقة» كما وصفه أحد المراقبين بأنه يحط رحاله حالياً في باكستان، بعد أن طاف هذا القطار خلال العامين الماضيين على العديد من الدول أبرزها: العراق وأفغانستان والسودان والصومال ولبنان والأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع.

وإذا كان «قطار الفوضى الخلاقة» قد دخل باكستان فهذا يعني أن شروره بالطبع لن تخفى على البلدان المذكورة، ولن تتراجع مشاهد القتل والسحل والسيارات المفخخة التي تأكل الأخضر واليابس، بل من المرجح أن تستمر وفق مصطلح «الهارموني» إلى أن تذوي المنطقة أي منطقة الشرق الأوسط القديم

وتنضج كما تنضج «حلة الطبخ» على النار الخفيفة وفق منطق علماء الطهي المطبخي والسياسي والعسكري، لا فرق على ما يبدو، وتنهار كلها ليتم بناؤه من جديد على أساس فلسفة المحافظين الجدد الذين تراجع دورهم، ولكن لم تتراجع خطتهم.

لا أحد يناقش بأن الاحتلال الأميركي للعراق يعاني من تعثر ذريع، ولكن خلافاً للمفهوم السائد فإن هذا الاحتلال لم يصل إلى درجة الفشل الكلي، فهذا استنتاج متسرع ومن المبكر الجزم به، لأن الهدف التكتيكي يترنح، هذا أمر لا جدال فيه.

لكن الهدف الاستراتيجي الذي أرسى قواعده ناتان شارانسكي وهو الفوضى الخلاقة للأسف الشديد يلقى بعض النجاح واستطاع أن يجد بعض الأصداء في سماء المنطقة، خصوصاً أن هذا اليهودي السوفييتي المنشق اعتبر أن الإسلام حركة إرهابية لا تهدد وجود إسرائيل فقط بل العالم الغربي برمته.

وذهب هذا الرجل الذي لجأ إلى إسرائيل ليصبح واحداً من صقور حكومة شارون، ثم استقال منها احتجاجاً على خطة الانسحاب من غزة إلى أن العالم العربي هو عبارة عن أقليات دينية وعرقية متنابذة وتحولت إلى «مفارخ للعنف والإرهاب».

لذا يتوجب حسب شارانسكي استخدام الطائفية في استراتيجية «الفوضى الخلاقة» في الشرق الأوسط خدمة لمصالح الغرب الديمقراطية، وهذا ما تحقق في الآونة الأخيرة، حيث بلغ الاستنفار المذهبي والطائفي في بعض البلدان التي عصفت بها «الفوضى الخلاقة» حداً خطيراً ينذر بأسوأ العواقب.

إذن، هذا الكلام الذي صدر عن شارانسكي ليس عبثاً فكرياً قاله هذا الرجل في ساعة من الصفاء أو فلتة من لسانه، بل هو مكتوب وموثّق، بل إن الرئيس الأميركي جورج بوش قال منذ عامين للصحافة الأميركية إن مَنْ أراد الاطلاع على سياسة أميركا الخارجية عليه أن يقرأ كتاب شارانسكي المعنون «القضية في الشرق الأوسط».

من هنا يأتي الكلام الذي نقله الكاتب البريطاني باتريك سيل عن وزير السياحة الإسرائيلي منذ عامين بأن «العالم سيكون جميلاً بلا إسلام»، فيما ذهب روبرت ساتلون وهو أحد المهندسين لسياسة «الفوضى الخلاقة» إلى إقصاء عبارتي «العالم العربي» و«العالم الإسلامي» من القاموس الدبلوماسي الأميركي.

إذن دخلت باكستان دائرة «الفوضى الخلاقة» وما نشهده يومياً من تفجيرات وعمليات قتل وتهديدات تدخل ضمن هذه الدائرة، وكانت ذروة التوتر هو الاعتصام الذي حصل داخل المسجد الأحمر والتداعيات التي حصلت بعد اقتحامه، وتسارع وتيرة التهديدات بشكل لم يسبق له مثيل، وسقوط اتفاق وزيرستان بين الدولة وزعماء القبائل، وردات فعل هؤلاء الزعماء على الكثير من الإجراءات، فمما يستوقف في هذه القضية الهجوم الإعلامي من الصحافة الأميركية ضد برويز مشرف.

تمتاز باكستان بخصوصية شديدة التعقيد فهي على مربع جيوغرافي ـ سياسي شديد الحساسية استطاعت الحكومة الباكستانية أن تتعامل معها بالكثير من الدقة والتأني في السنوات الأخيرة. واستطاع مشرف، كما قال أحد المحللين أن يسير على حبل مشدود، ولكن المهارة التي تعامل بها الرجل حتى الآن وصلت إلى طريق لا بد فيه من الاختيار النهائي.

خصوصاً ان داخل البلد الآلاف من المدارس الدينية، تخرّج أعداداً هائلة من التلاميذ تصل بهم الإحصائيات إلى ما فوق مليوني تلميذ، فيما التوتر الذي أحدثته إقالة رئيس المحكمة العليا القاضي افتخار شودري بتهمة استغلال منصبه لغايات شخصية.

وموجة الشغب الواسعة التي أعقبت هذه الإقالة شارك فيها العديد من أطراف المعارضة والمحامين وسواهم، كلها عوامل مهّدت لهذا الانكشاف المخيف لهذا البلد الذي يمتلك أيضاً القنبلة النووية التي تعتبر هدفاً استراتيجياً للأعداء المتربصين خصوصاً ان البعض أطلق عليها لقب «القنبلة الإسلامية» عند الفوز بها. فيما المؤسسة العسكرية الممسكة بزمام الأمور تحمل بذور التعاطف مع المؤسسات التقليدية.

إذن مهمة «الفوضى الخلاقة» لا تزال تواصل مهمتها وهي بالتأكيد مهمة خطيرة جداً، لأن هدفها وضع معادلة ظالمة فحواها، إما السير معنا في طريق الديمقراطية وعولمتها، أي مرادفها دول طائفية وأقليات متناحرة واثنيات ضعيفة، وإما حرب طائفية لا ضير أن تستمر ألف عام قادمة، كما قال أحد المخططين، ولهذا لم يتوان دونالد رامسفيلد المستقيل من منصبه عن القول «باي باي عروبة»، بعد إسقاط بغداد واجتياح العراق.

إذا كان قطار الشرق السريع لأغاثا كريستي كان يرصد الجريمة لكشفها ومحاسبة مرتكبها فإن قطار الفوضى الخلاقة لشارانسكي سوف يرتكب المزيد من الجرائم في المنطقة، ولن يجد من يحاسبه باعتبار أن الفوضى هي الوسيلة لتحقيق الديمقراطية، وهنا الكارثة!!