الديكتاتورية والديمقراطية منهجان نشهد ممارساتهما كل يوم في مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية، يختار الفرد منا إحداهما أو يختار موقفاً ما بينهما في سلوكه اليومي، قد يكون هذا في موقف معين أو قد يكون ذاك في موقف آخر.
ومع أن المنهج الثاني قد وُلد وترعرع في رحم وبيئة المنهج الأول من خلال عملية تأريخية كلفت البشرية خسائر كبيرة على مدى عصور طويلة، إلا أن من خطل الرأي الادعاء بوجود قطيعة كاملة بينهما على مستوى السلوك الفردي، فثمة تداخل معقد بينهما يعتمد إلى حد كبير على درجة التطور الاجتماعي والثقافي والقيمي في المجتمع، ويعتمد كذلك على طبيعة الفرد وعلى مدى قدرته على التأثير في المجتمع.
فالديمقراطية، في مجتمع معين، لا يفرضها سلوك أفراده، بالدرجة الأولى، وإنما تفرضها الأطر القانونية والثقافية والحقوقية والقيمية فيه، والتي تحدد سلوك هؤلاء الأفراد وسلطاتهم في المواقع التي يشغلونها في التركيب المعقد للدولة الحديثة.
فداخل كل فرد منا نزعة ذاتية نحو الكينونة، نزعة للحصول على النفوذ والسلطة والمكانة: المالية أو الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية، وهي نزعة فردية قد لا تتفق مع الديمقراطية في بعض أبعادها أو كلها. هذه مقدمة، قد تكون ضرورية، لإلقاء الضوء على الصراع الذي يجري داخل المؤسسة الأميركية العليا التي تصنع السياسات، الرئيس والكونغرس بمجلسيه.
حصل الرئيس الأميركي على مركزه المرموق عن طريق انتخابات ديمقراطية حظي فيها بأغلبية الأصوات، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: هل تبقى للرئيس نفس المستوى من التأييد الذي جاء به إلى سدة الحكم؟ وإذا كان الجواب عن هذا التساؤل: كلا، فكيف لنا أن نفهم ما يجري: الرئيس يصر على الاستمرار في انتهاج سياسة معينة رغم أن الرأي العام ومؤسساته قد حجبت الثقة عنه لانتهاجه هذه السياسة.
فقد كشفت استطلاعات للرأي العام أجريت مؤخراً انخفاضاً ملفتاً للنظر في شعبية الرئيس جورج بوش بسبب الإخفاقات التي تلقاها سياسته في العراق، نذكر منها ثلاثة فقط أجريت في شهر مايو المنصرم:
1. استطلاع أجرته صحيفة «فايننشال ديناميك»، أعرب 32% من المشاركين فيه عن تأييدهم لأداء الرئيس مقابل 64% أعلنوا رفضهم لهذا الأداء.
2. استطلاع أجرته مجموعة «أميركان ريسيرش» بلغت فيه شعبية الرئيس 31% مقابل 64% أكدوا رفضهم وعدم قبولهم لأدائه.
3. استطلاع أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» بلغت شعبية الرئيس فيه 30% مقابل 63% أعلنوا رفضهم لسياساته.
وهو انخفاض ملحوظ مقارنة بنتائج الاستطلاع الذي أجري في شهر أبريل المنصرم حين كان الرئيس يتمتع بشعبية قدرها 35%.
لا شك أن السياسات العليا التي ترسمها دولة عظمى، مثل الولايات المتحدة، لا تقررها نتائج استطلاعات الرأي العام الذي تتأثر مواقفه إلى حد كبير بمسارات الأحداث اليومية، وتغلب عليها في بعض الأحيان العاطفة أو أمور أخرى ثانوية الأهمية.
ومع أن نتائج الاستطلاع هذه مؤشر قوي على الانفصام بين مسارات السياسة العليا للولايات المتحدة وبين إرادات وطموحات أغلبية الشعب الأميركي، وهو ما يقلق الرئاسة الأميركية بكل تأكيد، إلا أن البعض يعتبرها غير مهمة في مجال الحراك السياسي، وذلك لأنها لا تصنع قرارات رفض ولا تقر مشاريع إعاقة للسياسة التي تنتهجها الإدارة الحاكمة.
إن هذا صحيح إلى حد ما، فآليات النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة تسمح بترجمة هذا الرفض، الذي تبديه الأغلبية، إلى قوة تصنع القرارات وتقر المشاريع التي تقلق الإدارة الحاكمة مرة كل سنتين فقط، وذلك في الانتخابات النصفية للكونغرس.
وهذا ما تحقق فعلاً، فمنذ نوفمبر من العام الماضي تغيرت معادلات التوازن في السياسة الأميركية، وفٌتحت جبهة قتالية جديدة أمام الرئيس الأميركي في ساحات الحروب التي نشرها في العالم، لم تكن هذه المرة بقرار منه وإنما بقرار من شعبه، جبهة جديدة من نوع خاص، هي الأقوى بين بقية الجبهات التي يواجهها في آن واحد.
فلم تعد نتائج استطلاعات الرأي العام مجرد اعتراضات عابرة تثير بعض القلق لديه، بل تٌرجمت إلى فعل قوي جاء بالديمقراطيين إلى قيادة الكونغرس بمجلسيه. لقد تبنى مجلس النواب الأميركي ذو الأغلبية الديمقراطية مؤخراً، بتأييد 223 مقابل رفض 201،
مشروع قانون يطالب بانسحاب الوحدات الأميركية المقاتلة من العراق بحلول أبريل 2008، والإبقاء على عدد محدود من هذه القوات لتدريب القوات العراقية ومكافحة الإرهاب وحماية الدبلوماسيين الأميركيين، متحدياً بذلك تهديد الرئيس باستخدام حق الفيتو، ويأمل الحزب الديمقراطي أن ينجح في تمرير قانون مماثل في مجلس الشيوخ.
هذه هي المرة الثالثة خلال هذا العام التي يتبنى فيها المجلس مشروع جدول زمني لإنهاء الحرب التي دخلت عامها الخامس في العراق، بعد إخفاقه في المشروعين السابقين، رُفض أحدهما في مجلس الشيوخ وأحبط الآخر بنقضه من قبل الرئيس بوش الذي يمتلك هذا الحق.
هنا تكمن المفارقة، إذ إن ما يواجه الرئيس الأميركي ويحجب الثقة عنه ليس أفراد الشعب في استطلاعات رأي ليست لنتائجها قوة قانونية مُلزمة، وإنما الكونغرس أو أحد مجلسيه، غالبية الأعضاء في المؤسسة التشريعية الأميركية، التي تضم أناساً منتخبين من قبل الشعب كما هو الحال مع الرئيس، ولكن على مستوى أصغر حجماً، مستوى الولايات وليس مستوى الدولة الاتحادية.
كما أن هؤلاء الأعضاء سياسيون محترفون لا تحرك الأهواء والعواطف خطاهم، يتوزعون على لجان متعددة متخصصة ترسم سياسات الولايات المتحدة. كما أن لديهم سلطات قد تصل، عند الضرورة، إلى حد إقالة الرئيس نفسه من مركزه، كما حصل في سبعينات القرن العشرين حين أجبر الرئيس ريتشارد نيكسون على الاستقالة إثر فضيحة ووتر غيت، أو في تسعيناته حين أوشكوا على الإطاحة بالرئيس بيل كلينتون في فضيحة مونيكا لوينسكي.
شهدت العلاقة بين الرئاسة والكونغرس، على مدى القرن الماضي، صراعات عديدة حول قضايا مختلفة، إلا أن أعنفها هو ما كان يتعلق بالشؤون الخارجية، إذ لم يوفر أحدهما فرصة متاحة له للنيل من الآخر، وفق ما يسمح به الدستور، إلا واستعملها.
فما الذي يملكه الرئيس الأميركي من أسباب القوة كي يتحدى الكونغرس، السلطة التشريعية في بلاده، ويشهر سيف الفيتو في وجهها؟
يتمتع الرئيس الأميركي بصلاحيات واسعة وفق المادة الثانية من الدستور، فهو يمتلك سلطات الرئيس التنفيذي وسلطات القائد العام للقوات المسلحة. وإضافة إلى ذلك فهو يحتفظ بالقدرة على إبطال مشاريع الكونغرس، وذلك لأن المحكمة العليا في الولايات المتحدة قد منحته سلطات واسعة في مجال الشؤون الخارجية، سلطات تفوق ما لدى الكونغرس. فقد احتكرت السلطة التنفيذية، وهو رأسها، منذ ثلاثينات القرن العشرين وحتى بداية سبعيناته، رسم السياسات الخارجية وتنفيذها، ولم يكن أمام الكونغرس سوى الإذعان.
ولكن سلطات الرئيس هذه ليست مطلقة كما يبدو، فهي مقيدة وتخضع لتأثيرات داخلية عديدة تصدر عن مؤسسات مثل: مجلس الأمن القومي ووكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية والكونغرس، وتتأثر بجماعات الضغط وشركات السلاح وشركات النفط والمؤسسات المالية، كما أن هذه السياسة ليست معزولة عن دور حلفائها الاستراتيجيين في أوروبا والشرق الأقصى والشرق الأوسط.
إلا أن ما عاناه الأميركيون في الحرب الفيتنامية، في ستينات وسبعينات القرن الماضي، قد ساعد على تقليص السلطات الرئاسية في مجال الشؤون الخارجية، فقد بادر الكونغرس إلى استخدام سياسة هجومية، مدعوماً بقوة من قبل الرأي العام، لاستعادة دوره المفقود في صنع السياسة الخارجية.
وخاصة في ما يتعلق بقرار الدخول في حرب، فصادق في عام 1973 على قانون سلطات الحرب للحد من سلطة الرئيس في إرسال القوات إلى الخارج، كما صادق في السنوات التي تلت على قوانين أخرى تقيد السلطة التنفيذية، منها قانون الرقابة على تصدير الأسلحة عام 1975.
ولكن بالرغم من الدور المتزايد للكونغرس في رسم السياسة الخارجية الأميركية منذ سبعينات القرن الماضي، بقي عاجزاً عن إملاء إرادته على البيت الأبيض، وذلك بسبب السلطات الممنوحة للرئيس من قبل المحكمة الاتحادية من جهة، وبسبب احتكار السلطة التنفيذية للمعلومات والأسرار في مجال الاستخبارات والدبلوماسية والدفاع
وغيرها من الشؤون الحساسة التي تلعب دوراً هاماً في رسم السياسة الخارجية، من جهة أخرى. كانت الحرب الأميركية في فيتنام أول محفز للكونغرس على انتزاع بعض سلطاته من الرئاسة، فهل ستكون الحرب الأميركية في العراق، وهي الأكبر منذ الحرب الفيتنامية، محفزاً جديداً له لانتزاع المزيد من السلطات التي يتمتع بها الرئيس، أم سيبقى مقتنعاً بدور الرقابة السلبية على أداء السلطة التنفيذية؟.
كاتب عراقي