الوزن السياسي للدولة إقليمياً أو دولياً «ليس» أمراً هاماً أو ضرورياً لدى العديد من دول العالم، بل بعض الدول فقط يهمها هذا الأمر وكثير من الدول الغنية لا تعيره اهتماماً كبيراً وتركز اهتماماتها على التنمية الداخلية وبناء اقتصادها وتوسيع علاقاتها الاقتصادية والتجارية الخارجية وتخشى أن تؤثر السياسة على هذه العلاقات.

وهناك دول أخرى منها الغنية ومنها الفقيرة فرضت عليها الظروف والعوامل الجغرافية والسياسية والاقتصادية وأيضاً التاريخية أن تلعب دوراً سياسياً ملحوظاً إقليمياً أو دولياً، ونقول ان هذه الظروف والعوامل «فرضت» على هذه الدول لعب هذا الدور وهو أمر لا تلام عليه، ولو خيرت ربما لاختارت التخلي عن هذا الدور.

ولكن قد يضطرها لذلك موقعها الجغرافي أو إرثها التاريخي من الصراعات والأزمات أو ضغوط خارجية لا تستطيع مقاومتها أو تهديدات معرضة لها من دول وجهات أخرى، والأمثلة على هذه الدول كثيرة لا حصر لها ومنها دول المواجهة مع إسرائيل، وبعض دول أميركا اللاتينية المعرضة لضغوط أميركية مثل كوبا وفنزويلا وغيرهما.

هناك نموذج آخر من الدول الصغيرة لديها إحساس بالصغر والقزمية وتعاني من التهميش على المستوى الإقليمي، وليس لديها ما يشغلها كثيراً في الداخل حيث عجلة التنمية لديها بطيئة وليس لديها جاذبية للاستثمارات والاهتمامات الأجنبية ولا للسياحة ولا غيرها من العوامل التي تستدعي الاستقرار الأمني والسياسي والابتعاد عن المشاكل.

وغالباً ما تكون لأنظمة الحكم في هذه الدول القزمية رغبة في الدخول في دائرة الضوء وإثارة اهتمامات الآخرين بها بشكل أو بآخر، ولهذا تطمح للعب أدوار أكبر من حجمها وإمكانياتها، وتكون في الغالب مستعدة لتقديم أية تنازلات لدول كبيرة في سبيل أن تحظى باهتمامها بها، حتى لو كانت هذه التنازلات تدفعها للعب أدوار سلبية وغير مرغوب فيها من شعوبها وجيرانها أو من دول أخرى،.

وبالقطع هنا لا يكون العيب في الدولة وشعبها بقدر ما يكون في النظام الحاكم في هذه الدولة الذي يقحم نفسه ودولته وشعبه في اللعب مع الكبار من أجل جذب الأنظار إليه وإعطاء نفسه أهمية أمام شعبه وأمام الدول الأخرى، وغالباً بالطبع ما تكون هناك مصالح شخصية لدى بعض أفراد النظام الحاكم في هذه الدولة، لكن هذه المصالح لا تكون هي المحرك الأساسي لهذا النظام بقدر ما هو الإحساس بالقزمية والضآلة الذي يدفع النظام في هذا الطريق.

المنطقة العربية لا تخلو من نوعية هذه الدول، وإن كانت قليلة وليست ذات أهمية كبيرة، ولكن الساحة الدولية تشهد من هذه النوعية الكثير، خاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي، فقد ظهرت أنظمة حكم جديدة في بعض دول المعسكر الاشتراكي السابق لا تشغلها قضايا التنمية الاقتصادية ولا مشاكل شعوبها بقدر ما يشغلها إثبات وجودها وإعطاء نفسها أهمية سياسية أكبر من حجمها بكثير، ولهذا نجد هذه الأنظمة تذهب لترمي بنفسها في أحضان، أو على الأصح «تحت أقدام» واشنطن وتبدي كامل استعدادها لتقديم خدمات لها أكبر ربما مما تريده منها واشنطن.

وغالبا ما تكون هذه الخدمات ضد إرادة شعوب هذه الأنظمة، مثل فتح أراضيها لتأسيس قواعد عسكرية أميركية، أو التحرش بدولة مجاورة قريبة ومضايقتها والتشهير بسمعتها مثلما تفعل بعض الدول الصغيرة المجاورة لروسيا إرضاء لواشنطن، ولا تأبه هذه الأنظمة باعتراضات ومظاهرات شعوبها التي تريد العيش في سلام بعيداً عن صراعات القوى الكبرى على الساحة الدولية.

بدون ذكر أمثلة لهذه الأنظمة، فهي كثيرة ومعروفة للكثيرين، ومصيرها دائماً الفشل والانهيار لأنها لا تفهم قواعد اللعب مع الكبار، وفي الغالب تدفع الثمن غالياً عندما تثور عليها شعوبها فتستنجد بواشنطن ولا تجيبها وتتركها فريسة لشعوبها، لأن قواعد اللعبة تسمح باللعب بالصغار ولا تسمح إطلاقاً بالصدام بين الكبار.

elmoghazy@hotmail.com