زمان.. كان تلاميذ المدارس يدرّبون على كتابة موضوعات في الإنشاء على أساس مناظرة ـ وهمية طبعا ـ بين القرية والمدينة.. أو بين البادية والحاضرة. وكان معلموهم يبسطون الموضوع على أساس مزايا كل من الريف والحضر.. وبالتعديد بين نقاء الهواء ومعايشة الطبيعة من ناحية وبين رقي الخدمات البلدية وتوافر مواقع العمل ومراتع التسلية والترفيه من ناحية أخرى.

ويبدو أنه قد آن الأوان لإحالة هذا التناظر بين القرية والمدينة إلى تاريخ مضى،.. فآفاق المستقبل المنظور والإسقاطات الإحصائية والتوقعات الديمغرافية تنبئ جميعا بأن سكان العالم يتحولون عن الإقامة في البوادي والأرياف إلى حيث الإقامة في المدن والعواصم والحواضر بكل أشكالها. هذا ما يؤكده أحدث تقرير أصدرته مع مطالع شهر يوليو الحالي منظمة الأمم المتحدة. وبالتحديد قام على إعداده ونشره «صندوق الأمم المتحدة للسكان» تحت عنوان «حالة السكان في العالم».

وقد يسترعي النظر أن هذه الدراسة الدولية لا تحيل القارئ أو المحلل إلى فترات زمنية قادمة بحيث تتبلور في غضونها هذه التيارات المستجدة على معيشة السكان.. يكفي أن يؤكد هذا التقرير أن السنة القادمة (ولنقل في فترة البضعة أشهر الوشيكة) سوف تشهد أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية وهم يعيشون في المدن وما في حكمها من بلدات ومواقع حضرية.. وبالتحديد سوف تشهد تلك المواقع، وللمرة الأولى، إقامة نحو من 3, 3 مليارات نسمة ومن شأنهم ـ كما تشير الحسابات الرياضية ـ أن يزيدوا ليصلوا إلى 5 مليارات من البشر يتخذون مقر إقامتهم في المدن بحلول عام 2030.

وفيما يشير التقرير العالمي إلى أن هذه الظاهرة التي يصفها علماء التنمية بعبارة «التحول الحضري» وأحيانا بكلمة «التحضّر».. هي ظاهرة عالمية أو فلنقل كوكبية في الأساس، إلا أن التقرير ينبه إلى أن معظم الأصقاع والأقاليم التي سوف تشهدها أو تتأثر بها ستكون في قارتي أفريقيا وآسيا على وجه الخصوص.

وفي حديث صحفي منشور مؤخرا، يؤكد جورج مارتن.. الخبير الدولي الذي أشرف على إعداد التقرير، أن العالم أصبح بإزاء تيار كاسح، سواء من ناحية ارتفاع معدل المواليد أو زيادة معدلات الهجرات والنزوح من الريف إلى الحضر، وبصورة من شأنها أن تفضي في نهاية المطاف إلى ما يسميه الخبراء بأنه «الانفجار الحضري».

وفي هذا السياق ينبه الاختصاصيون إلى أن هذه الظاهرة يمكن أن تنجم عنها عواقب سلبية. صحيح أن نمو المراكز الحضرية وزيادة ساكني المدن الكبيرة أو الصغيرة أمر طيب في حد ذاته. ولكن الصحيح أيضا أن على الحكومات في طول العالم وعرضه أن تتنبه مسبقا لمثل هذه الظاهرة وأن تحسب لها ألف حساب، وخاصة أنها تنطوي على شُحوب أو ذبول.

ومن ثم زوال أساليب حياتية كانت قائمة في البوادي والأرياف وكان منها أساليب ايجابية ولاسيما في أبعادها الاجتماعية من حيث التضامن والتآزر العائلي والتكافل المجتمعي وقيم التواصل الإنساني وبساطة المطالب الحياتية والعيش في بيئة أقل تلوثا وأدنى صخبا وأهدأ بالا وأشد حرصا على منظومة القيم الثقافية والاجتماعية.

لكن التقدم البشري له أيضا تكاليفه ومغارمه. فقد دخلت الآلة حياة البشر بل اقتحمتها وداهمتها واتسع بذلك مدى الشقة الفاصلة بين حياة القرية ببساطة زهدها أو تقشفها وبين حياة المدينة بتعقيد رفاهيتها وتعدد ما تعد به من متع ومسرات، وما أكثر ما تصوّره ميديا الإعلام الملوّن في إطار من الجاذبية والتزيين والإغراء والتشويق وخاصة في عيون الأجيال الناشئة ـ الشابة.

والمشكلة أنه مع استشراء ظاهرة التحول من الريف ـ البادية إلى الحاضرة أو العاصمة، فإن الظاهرة تحمل في أحشائها أثقالا من المشاكل ليس أقلها نمو المستوطنات العشوائية أو أحياء الشقاء الفقيرة على مشارف المدن المقصودة، أو أحياناً في تلافيف دواخلها أو فيما يُعرف بأنه قاع المدينة الحافل بالبطالة والشقاء ومن ثم بآفات الجريمة وانعدام الأمن وتعاطي وتداول المخدرات، ثم ـ وهذا هو الأخطر ـ بعناصر بشرية ما زال معظمها في طور الشباب ولكنها مشحونة بمشاعر السخط والغضب والاستياء، تروح وتجيء وكأنها قنابل من الرفض الموقوت بانتظار لحظة انفجار.

هذه الأخطار باتت الآن تحدق بقارة أميركا اللاتينية التي يوضح التقدير أنها أول من شهد ظاهرة التحول إلى سكنى المدن التي أفرخت ما أصبح يعرفه علم الاجتماع المعاصر بأنه «فقراء المدن». فإذا انتقلنا إلى قارة إفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى نجد أن أكثر من 70% من سكان الحضر في أفريقيا السمراء هذه يعيشون في مناطق عشوائية، حيث العوز المالي والتفسخ الاجتماعي وتردي، إن لم يكن انعدام الخدمات الأساسية اللازمة لحياة البشر.. ويقدر التقرير الدولي أن منطقة أفريقيا جنوب الصحراء هذه تضم نحو 200 مليون نسمة يعانون من هذا النمط اليائس، والمرفوض إنسانياً من الحياة.

وكان بديهيا أن يتوقف التقرير مليا عند الصين التي تكاد تضم ثلث سكان كوكبنا... وفي هذا السياق يوضح التقرير أن المستقبل القريب سيشهد الصين وقد ضمت 83 مدينة يسكن كل منها 750 ألف نسمة ومنها خمس مدن كبيرة يبلغ عدد سكان كل واحدة منها 5 ملايين إنسان.

وفيما استغرقت ظاهرة التحول الحضري المذكورة 200 سنة في دول الغرب حتى استقرت هجرات السكان من الريف إلى الحضر، وهي الفترة الفاصلة بين عامي 1750 و1950، فإن نفس الظاهرة لم تستغرق في العالم الثالث النامي سوى النصف الأخير من القرن العشرين، وهي ـ كما ألمحنا ـ في حال من التزايد والتفاقم لدرجة أن يشهد عام 2030 وجود 80% من سكان الحضر على صعيد العالم كله في أقطار العالم النامي. وتلك آفة تستدعي خطورتها وضرورة استباقها والتصدي لأخطارها كل القوى والخبرات المهمة بأمن البشر ورفاههم، كما تحتشد لمواجهتها وعلاج آثارها إمكانات الحكومات والأفراد على السواء.

وفيما تمثّل البطالة من ناحية وتطلعات الحياة الأفضل عن الصور المتفائلة المنقولة عبر الميديا من نواح أخرى، أسباباً تدفع الناس إلى الهجرة إلى المدن لعلهم يجدون سبلا للعيش ومستوى أحسن نسبيا من الخدمات، فإن ثمة سببا آخر يدفع الناس إلى أن يفارقوا البيئات التي نشأوا فيها وتآلفوا معها..

وهذا السبب الخطر يكمن في ظاهرة «التصحّر».. بمعنى زحف الصحراء التي تلتهم مناطق الخصب ومواقع إنتاج الغذاء، وذلك ما ينبّه إلى خطورته تقرير دولي آخر صدر بدوره مع مطالع الشهر الحالي وقامت بإعداده دوائر منظمة الأغذية والزراعة الدولية وجامعة الأمم المتحدة. ومرة أخرى يحدد التقرير الجديد المناطق الكفيلة بمواجهة هذه المشكلة بأنها وسط آسيا وإفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى.

ويتفق التقريران الدوليان على أن تلك هي الأسباب الأساسية التي تدفع الناس إلى النزوح من أماكنهم الأصلية، ومنهم من يقصد المدن فيما يسمى بظاهرة التحضّر ومنهم من يرنو ببصره إلى مواقع أبعد من حدود وطنه فيما يسمى بظاهرة «الهجرة الدولية»، حيث تفضي الظاهرة الأولى إلى تفاقم حالة الفقر في المدن فيما تقضي الثانية إلى حدوث فواجع تودي بحياة شباب دفعهم اليأس إلى الوقوع في براثن عصابات تهريب البشر على متن قوارب متهالكة أو سفن متداعية بعضها يهوى بهؤلاء المهاجرين إلى أعماق البحر المحيط.

ومثل هذه الدراسات والدعوات والتنبيهات الدولية لا بد وأن يصغي الناس إليها وأن تؤخذ آراؤها على أكبر محمل من الجد الذي لا بد وأن يوصّل إلى اتخاذ إجراءات ناجزة وبناءة لصالح الضحايا والمستضعفين.

كاتب مصري