ينتخب الأتراك يوم 22 يوليو الأحد المقبل ممثليهم في البرلمان. هذه الانتخابات كان موعدها الطبيعي هو شهر نوفمبر القادم وإنما جرى تقديمه في محاولة لوضع حد للأزمة السياسية التي تهز البلاد منذ عدة أشهر. يتم حسب الدستور التركي النافذ حتى الآن انتخاب رئيس الجمهورية من قبل البرلمان الذي يسيطر عليه منذ شهر نوفمبر 2002 حزب العدالة والتنمية بأغلبية ثلثي المقاعد تقريبا. هذا الحزب يصعب توصيفه بدقة فقد أنشئ على أنقاض تشكيل إسلامي ممنوع. فهل هو حزب إسلامي أم إسلامي معتدل أم إسلامي محافظ أم إسلامي ديمقراطي أم شيء آخر؟
بكل الحالات لا يمكن وصف حزب العدالة والتنمية بأنه رجعي كما تميل بعض التيارات اليسارية للقول. يمكن اعتبار أنه يمثل صيغة جديدة من الإسلام السياسي يصفها البعض بالتيار الإسلامي الجديد. فتيار الإسلام السياسي التقليدي يسعى إلى تغيير المجتمع وأسلمته من الأعلى، أي عبر السيطرة على السلطة، وهذا هو المشروع المُجهض لنجم الدين اربكان الذي غدا قليل النشاط سياسيا. أما التيار الإسلامي الجديد فإنه لا يرمي، من جهته، إلى أي تحويل جذري للمجتمع وإنما يسعى عبر القبول الاجتماعي العام إلى الاستجابة للاحتياجات الروحانية والأخلاقية للأتراك ويصف نفسه أنه محافظ ـ ديمقراطي.
إن تطلعات حزب العدالة والتنمية هي، بكل الأحوال، ديمقراطية على المستوى السياسي إذ يعترف بأولوية النظام البرلماني وقد أبدى تسامحا أكبر من سابقيه في الحكم حول المسائل المتعلقة بالتنوع الثقافي، خاصة بصدد الملف الكردي، وهو حزب محافظ على الصعيد الاجتماعي وليبرالي على الصعيد الاقتصادي.
الصورة الناتجة من محصلة السمات السابقة تذكر بالنزعة المحافظة الشعبية في الولايات المتحدة التي يجسدها الحزب الجمهوري، ويعتبر قسم هام من نخبة حزب العدالة والتنمية أنه قريب جدا من هذا الحزب. ومن المعروف في الولايات المتحدة أنه إذا تمّت تنحية المتطرفين، والهامشيين أصلا، يتم النظر بالأحرى إلى المعتقد الديني على أنه مجموعة من المبادئ الأخلاقية.
هذه المقاربة التي تفسر القيم الدينية على أنها قيم اجتماعية، هي في الواقع أقرب إلى مفاهيم حزب العدالة والتنمية مما هو إلى مبادئ الديمقراطية ـ المسيحية في أوروبا الغربية. وبهذا المعنى يمثل مرحلة في التحديث المحافظ لتقاليد الإسلام في تركيا والمندمج في مسيرة ذات طابع دنيوي.
وكان حزب العدالة والتنمية قد رشّح في شهر مايو الماضي عبدالله غول وزير الخارجية الحالي، لمنصب رئيس الجمهورية. لم يعجب ذلك المعسكر العلماني الذي يجسده بشكل رئيسي الرئيس الحالي أحمد نجدت سيزير والمؤسسة العسكرية وحزب الشعب الجمهوري.
هذا التجمع المتنافر أعلن عن خشيته من أن يمس حزب العدالة والتنمية القيم العلمانية والجمهورية لتركيا. ولم يتحمل، رمزيا، رؤية امرأة محجّبة، هي زوجة عبدالله غول، تقيم في القصر الرئاسي الذي أسسه باني تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك. هكذا أمام عجز البرلمان عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية تقرر اللجوء إلى انتخابات تشريعية مبكّرة.
لم يتردد الجيش، من جهته، في التدخل في القضايا السياسية، إذ نشرت قيادة الأركان بيانا اعلنت فيه بصراحة أنها لن تقبل أي تشكيك بالمبادئ الدستورية وأنها سوف تواجه جميع أولئك الذين يغامرون في انتهاج مثل هذا الطريق. كانت الرسالة في منتهى الوضوح. بنفس الوقت قامت مظاهرات ضخمة حول نفس المطالب في عموم البلاد وشارك فيها مليون شخص باسطنبول. وإذا كان منظمو هذه المبادرات هم من جمعيات قريبة جدا من قيادة الأركان فإن أولئك الذين شاركوا فيها كانوا من مشارب سياسية مختلفة.
الشاهد على ذلك تمثل في أحد الشعارات التي رددها المتظاهرون وجاء فيه: لا للشريعة، ولا للانقلاب العسكري، وهكذا وضعوا في نفس الكفة أية محاولة مفترضة من قبل حزب العدالة والتنمية للمساس بالعلمانية في تركيا وأي مشروع انقلابي لدى الجيش. إن هذا التطلع الديمقراطي تماما لجزء هام من المواطنين يواجه اليوم صعوبة في إيجاد تعبير سياسي منظّم يعبّر عنه في الحملة الانتخابية الجارية.
وتدل استطلاعات الرأي الأخيرة على أن الحزبين اللذين قد يحتلان المرتبتين الثانية والثالثة في الانتخابات التشريعية هما حزب الشعب الجمهوري وحزب العمل القومي، وكلاهما يتمتعان بنزعة قومية متعصبة بل ويُبدي الأول ميولا عدائية حيال الآخرين.
ثم إن هذا البروز الجديد والمقلق للنزعة القومية المتزمتة في تركيا ويتغذى كثيرا من أشكال المماطلة والصد الذي واجه به قادة الاتحاد الأوروبي هذه البلاد في إطار المفاوضات للانضمام إلى أوروبا الموحدة. مع ذلك رغم التوتر والحصار الذي شهدته الأشهر الأخيرة، فإن حزب العدالة والتنمية يبدو هو الأوفر حظا بالفوز في الانتخابات التشريعية، وهذا ما قد يعني أن الأزمة السياسية في تركيا لا تزال بعيدة عن الحل.
مع أمل أن يتابع الحزب، في حال تحقق هذه الفرضية، احترامه للمبادئ المطبّقة في البلاد، وأن تحافظ المؤسسة العسكرية على تعقلها بالتوقف عن التدخل في الشأن العسكري والبقاء في ثكناتها. إن هذه المنطقة لديها ما يكفيها مما يهز استقرارها وليست بحاجة إلى أن يسقط بلد هام مثل تركيا في أحضان فترة من الفوضى ستكون مؤذية لجميع جيرانها.
المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس