لفترة طويلة ظللت أتعامل مع أبيات من قصيدة أنشودة المطر لشاعر العراق العظيم بدر شاكر السياب على أنها من آثار المبدع التشيكي فرانز كافكا.. تقول هذه الأبيات (وكل عام ـ حين يعشب الثرى ـ نجوع/ ما مر عام والعراق ليس فيه جوع/ مطر... مطر... مطر) غير أن معاينة الواقع في عالمنا العربي عبر عقدين من الزمن تثبت للمرء أن تشاؤم الشعراء مهما بلغ يظل قاصرا عن متابعة ضراوة الواقع.. وربما كانت انتفاضة العطشى في مصر أحدث دليل على ذلك.
فجأة استيقظ الناس على أنباء تظاهرات شعبية غاضبة تقطع الطريق الساحلي الدولي في دلتا مصر بسبب نقص مياه الشرب، وما لبثت أن تحولت القصة المنافية للمنطق إلى كرة ثلج تنتقل من محافظة إلى أخرى وتصبح الشغل الشاغل لوسائل الإعلام ونواب مجلس الشعب الذين هدد أحدهم (محمد عبدالعليم داوود) بالإضراب عن الطعام إذا لم تقم الحكومة بتشغيل محطة المياه الموجودة في الدائرة التي يمثلها، وتصبح المشكلة مثل مارد خرج للتو من القمقم.
وتتكشف بسببها بيانات ومعلومات عن حالات إهدار مال عام وفساد بيروقراطي منقطع النظير، كما يتضح من النقاش والجدل الذي تمور به البلاد أن الماء (وهو واحدة من أكبر النعم التي حبا الله بها المصريين) تحول إلى أهم سبب للأمراض الفتاكة التي تعاني منها نسبة غير قليلة منهم.
ما يثير الدهشة والاستغراب هو أن الحكومة المصرية خصصت ميزانيات ضخمة لقطاعي مياه الشرب والصرف الصحي، فالتقارير تؤكد أن الإنفاق على القطاعين بلغ 100 مليار جنيه (نحو 30 مليار دولار بمتوسط سعر العملات الأجنبية) خلال الفترة من 1982 وحتى 2005.
وهو مبلغ ليس بالقليل إذا علمنا أن المسألة لا تخص تحلية مياه، فالنيل الذي يصب في مصر نحو 55 مليار متر مكعب سنويا وتنتشر المحطات على شاطئيه لا يحتاج إلى أكثر من معالجات بسيطة وتنقية من الشوائب لا تكلف كثيرا، وما يزيد من العجب أن تقارير الأمم المتحدة ظلت تشيد بجهود الحكومة المصرية في توفير مياه الشرب الجيدة بنسبة 98% لسكانها، فما الذي حدث وهل كانت التقارير الأممية مجرد نقل لوجهة نظر السلطة، أم نوعا من محاباتها دون مراعاة لحقيقة ما يحدث على الأرض؟
في استجوابات بشأن مياه الشرب تمت مناقشتها في مجلس الشعب أوائل العام الحالي، أكد النواب الذين قدموها أن نوعية مياه الشرب في 18 محافظة (من أصل 26) غير مطابقة للمواصفات القياسية العالمية، وأن 80% من محطات معالجة المياه في دلتا مصر انتهى عمرها الافتراضي وتعتمد على المياه الجوفية التي اختلطت مع مياه الصرف. ليس ذلك فحسب، بل إن 550 مليون متر مكعب سنويا من المخلفات الصناعية يقذف بها 330 مصنعا منتشرا بطول نهر النيل.
وفي قضية المياه لا يحتاج المرء إلى اللجوء لبيانات المعارضة، ففي أدراج مؤسسات السلطة ما يغني، ففي تقرير غريب صدر عن مجلس الشعب (فبراير 2006) أكدت البيانات أن 90% من أمراض المصريين سببها عدم صلاحية مياه الشرب في مصر.
ويرصد التقرير في هذا السياق نحو 21 مرضاً خطيرا تؤدي إلى الوفاة. وربما يكون الإهمال والبيروقراطية وراء جزء لا يستهان به من الكارثة، فتلوث مياه الشرب مرجعه أيضاً عدم غسيل وتطهير الشبكات بشكل دوري، وقيام بعض العاملين بحقن الكلور في المواسير بدلا من المحطات، إضافة إلى تهالك الشبكات وعدم صيانتها، وكذلك عدم مراعاة صيانة أحواض الترسيب والترشيح.
وتكشف تقارير كليات العلوم كذلك جزءا من المأساة، إذ تشير بأصابع الاتهام إلى المياه، وتعتبرها المسؤول الأول عن إصابة 100 ألف مصري سنويا بالسرطان و35 ألفا بالفشل الكلوي والكبدي، ففضلا عن مخلفات المصانع تتسرب 30% من الأسمدة والمبيدات المستخدمة في الزراعة إلى مياه الصرف وتصل إلى النيل وأن مواسير المياه نفسها تعد ناقلة للتلوث ومحطات مياه الشرب لا يوجد بها معامل على مستوى عال للكشف عن البكتريا والفيروسات.
الموضوع يمثل كارثة حقيقية، والهيئات المسؤولة تتذرع بقلة الإمكانات مؤكدة حاجتها إلى نحو مئة مليار جنيه لإصلاح ما أفسده الإهمال، لكن ما يحدث ينبئ بزلزال حقيقي، إذ أن المصري الذي يبدو سلبيا تجاه المشاركة السياسية يبدو مختلفا حين يتعلق الأمر بحاجياته الأساسية، وأولها الماء.