عندما رفعت في صبيحة الثالث عشر من يوليو من العام الماضي سماعة الهاتف بشكل روتيني للاطمئنان على العائلة اثر سماع أخبار الاعتداءات الإسرائيلية على الفضائيات ووسائل الإعلام، لم يكن يراودني أبداً أن يكون منزلنا الذي كانت العائلة بداخله هدفاً عسكرياً مهماً لحكومة أولمرت، وانه واحد من «بنك الأهداف» العسكرية التي استهل بها غدره في فجر ذلك اليوم المرعب.
كما لم يكن يراود أحد من اللبنانيين ان هذه الضربات ستكون إيذانا لحرب همجية، وحشية ستستمر لمدة ثلاثة وثلاثين يوماً قتلت البشر والحجر، ودمرت الجسور وقطعّت أوصال البلد وحاصرته من كل الجوانب وحولته إلى جحيم كبير مارست فيه كل أنواع التعذيب والقتل والبطش وحقل تجارب للصواريخ الذكية والطائرات الحربية، وكل تكنولوجيا القتل المتطورة.
كان الهاتف يردد صداه من تحت الركام للمرة العشرين، لكنني ظللت مستسلماً لشعور الكسل الصباحي البليد، دون أن اعلم أن الكارثة قد وقعت منذ ساعات، وجاءني صوت الوالد متهدجاً من خلف غبار المجهول متلعثماً باكياً بيوتكم دمرت لكن الله أنقذ الأولاد والعيال».
وإذا كان خبر استهداف بيوتنا شكل صدمة لي، إلا ان المفاجأة التي فاقت كل ذلك هي أن ابني الصغير طلب من أمه وإخوته أن يذهبوا بمناسبة مرور عام على الاعتداء الوحشي إلى المنزل والنوم فيه، وذلك تحدياً للحكومة الإسرائيلية المعتدية، ورداً على الاعتداء الذي قامت به هذه العصابة القاتلة، إنها إرادة الحياة التي تنتصر دائماً على إرادة القتل والموت.
إن هذا الطفل الذي خرج من بين الركام في ذلك الفجر الأسود، مولوداً من جديد لم تقتل فيه هذه الاعتداءات روح المقاومة والعزة، بل زادته شموخاً، ولم تزعزع إيمانه بالحق، بل جعلته أكثر صلابة وإقداما.
أقول ذلك لأن ابني وهو واحد من آلاف الأطفال الذين ذاقوا كل أنواع الخوف، وشاهدوا أهوال الحرب الصعبة التي شنتها إسرائيل ضد لبنان، إلا أن هذه الحرب لم تؤثر في الروح المعنوية لهم بل جعلتهم أصلب عوداً، وان ابني هو واحد منهم، لقد حولتهم الشدائد إلى رجال قبل أن تنضج أعمارهم.
وجعلتهم رجالاً قبل أن تكتمل الرجولة البيولوجية عندهم، لهذا عندما نقول ان الشعب اللبناني خرج منتصراً، فإنما نقصد هذه المعادلة الحقيقية، لأن النصر لا يكون بعدد الجنود الذين يسقطون في ميادين الحرب، ولا بعدد الأبنية التي يدمرها الطيران، بل إن النصر هو بالإرادة المعنوية التي تصنع المعجزات وتعيد بناء ما تهدم طالما ان الإنسان يزدهر بالثقة والعنفوان.
إن هؤلاء الأطفال يعطوننا دروساً كل يوم بعلم التفاؤل بعدما أصبح المستقبل بالنسبة لجيلنا خلفنا، وبعدما حطمت الهزائم كل أمل لدينا بالتقدم، وبعدما تراكمت طبقات الهزيمة فوق أحاسيسنا حتى بتنا نعتقد أنها الحقيقة، وان النزوع نحو الحرية والآفاق الواسعة هو المغامرة وهو الكارثة.
لقد ساورني القلق الحقيقي على ابني عما إذا كان هو في الطريق الصحيح أم أنا، ولذلك لم أذق طعم النوم في تلك الليلة، أي بعد مرور عام على قصف المنزل، وكنت اتصل كل فترة لمعرفة ردة فعله من والدته.. وكان الجواب لماذا القلق انه نائم بشكل هادئ مع شقيقاته.
اعترف أن ابني الصغير ذهب إلى حيث لم أجرؤ عليه قبل عدة أشهر إذ لم أستطع أن أضع رأسي فوق الوسادة المخضبة بالخوف والذكريات والغبار لأن رهبة المكان المتداعي كانت ثقيلة الوطء فوق نفسي لا بل شديدة التبلد رغم أن الضوء الساطع كان يملأ المسافة وحيوية الجيران تزيل كل وحشة، ولذلك كان جريئاً أكثر مني بكثير لأنه ببساطة يعرف ما يريد.
إنهم أطفالنا الذين نربيهم على الصدق والمحبة والإيثار واحترام الآخر بكل ما يملك من خصائص، أما أطفالهم فيعلمونهم الكراهية والحقد منذ نعومة الأظافر، وكما فعلوا في حرب يوليو الماضي حيث اصطحبوهم إلى أحد المطارات الحربية لكي يوقعوا على الصواريخ التي ستضرب على أطفال لبنان، واعتبروا هذه الخطوة بأنها أفضل هدية يقدمونها لأقرانهم في قانا والضاحية الجنوبية وبنت جبيل وعيتا الشعب ومارون الكرامة.
ما من عاقل يحب الحروب ويسعى إليها لأن الحرب تعني الدمار وقتل الحياة وتشريد الآمنين والفتك بالأطفال والنساء، وهدم المنازل فوق رؤوسهم، أما الذين يسعون إلى الحروب فهم المجانين المجرمون الذين لا يحملون في قلوبهم الرحمة، وأنفسهم خالية من الإنسانية، ولهذا فإن صناع الحروب هم صناع الفتن هم قتلة الأطفال الأبرياء ولا يحترمون الحياة، إنهم أنانيون إلى أبعد حدود الأنانية، لذلك فإن بلداً مثل لبنان تعرض إلى هذه الهجمة الوحشية لم تسلم منها الجسور ولا دور العبادة.
ولا الأشجار ولا المنازل الآمنة هي جريمة واضحة بكل معاني القتل المتعمد وينبغي على المجتمع الدولي أن يقف في وجه مثل هذه الحروب التي وصلت إلى درجة الإبادة الجماعية كما حصل في الضاحية الجنوبية حيث كانت الأبنية تتطاير كما يتطاير الغبار مع الهواء، وكانت القذائف تدمر المساحات الواسعة من الحقول والبساتين دون أن يرف جفن لمطلقيها، كأن الناس الذين توجه إلى رؤوسهم هذه القنابل الذكية هم أشبه بالذباب وأقل من الذباب.
هذه الحرب التي قادها أولمرت وحكومته وجيشه الجرار ضد لبنان لم تترك للناس مكاناً للحياة لقد فرضت عليهم أن يكونوا في معسكر معين، إما أن تكون مع المظلومين والمقهورين وإما أن تكون مع القتلة وهذا ما لا يقبله إنسان يحمل ضميراً حياً، لهذا أخرجتنا الحرب الأخيرة من حيرتنا و من ترددنا، وجعلتنا غصباً عنا منحازين لصناعة الحياة، للطفولة البريئة للسلام الحقيقي، وأحياناً هنالك سلام لا يمكن أن يولد إلا إذا تعمد بالدم والبطولة والمواجهة الشريفة في وجه الباطل الذي يطل برأسه كل حين.
إنني اجزم أن اولمرت الذي كان في تلك الليلة ساهراً يراجع خيبة الأمل التي مُني بها، كان يراقب منزلنا في لبنان حيث تمت إعادة بناء المنزل الذي دمره الصاروخ الثاني بعدما لم يفلح الأول، وان السيارة كانت واقفة في المدخل بعدما تم إصلاحها وإعادتها كما كانت بنفس اللون، وان حبل الغسيل يزدحم بالحياة فوق السطح، كما كان في ذلك الفجر القاتل، وان جدار الحديقة أعاد أبو ياسين ترميمه كما كان وأفضل، فيما شجرة الرمان التي أبادها الحقد الأعمى تحتاج إلى سنوات لكي تعود نضرة تغطي مدخل المنزل.
إنها الدمعة التي تهزم الحقد، إنها الفرحة التي تنتصر على الغدر، إنها الطفولة البريئة التي لا تنحني أمام الخوف الأسود.
إنها الحياة جميلة جميلة لا يكسرها اليأس .. ولا يعمرها إلا أبناء الحياة.
كاتب لبناني