إن قصة أو بالأحرى مأساة المسجد الأحمر بدأت للتو، ولن تنتهي بتلك السهولة التي تمت المغامرة في طريقة إنهائها. وهذا المسجد الذي أصبح أحمر بالفعل بسبب الدماء التي لطخته من الداخل والخارج، قد يشكل نقطة تحول في الشأن الباكستاني الداخلي.

من المتوقع أن تسيطر فترة من الصمت على تلك الحادثة كأي حادثة تصل فيها حدة العنف تلك الدرجة. فالقاتل يتخذ كافة التدابير للسيطرة على الموقف وتهدئة الوضع، ومحاصرة أصحاب الثأر المحتملين من الطرف الثاني، بينما يصمت أصحاب الدم حتى يتم امتصاص الصدمة، وبعدها ينتقلون إلى مرحلة التخطيط للانتقام وبعدها العمل.

العقدة في هذه القضية هي أن كلا الطرفين مصمم على إخضاع الطرف الآخر أو القضاء عليه، وكل منهما يعتقد أنه على حق والآخر على باطل. وإذا كانت الحكومة الباكستانية ترى في عملها تصرفا شرعيا لحماية هذه الجمهورية الواسعة بما فيها من 170 مليون نسمة،

من انتشار وتوسع التطرف الديني الذي أصبح كالبعبع الذي يظهر دون سابق إنذار في أي مكان من العالم ويسدد ضرباته دون هوادة ودون رحمه، فإن الطرف الآخر الذي يحارب باسم الدين ويدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وإبطال المؤامرات الغربية ضد العالم الإسلامي، يرى في الوضع السياسي للبلد أمرا لا يجوز السكوت عليه وتجب محاربته بشتى الطرق.

في كلتا الحالتين الخسائر كانت في ما يبدو كبيرة والأرقام الحقيقية التي لم يعلن عنها بعد قد تكون مخيفة ومحزنة، حيث أن عدد المتحصنين في المسجد الأحمر أكبر من أن يسفر عن 80 قتيلا فقط لا غير، ناهيك عن إجمالي عدد القتلى من طرف الجيش الباكستاني الذي قام بعملية التمشيط في دهاليز هذا المسجد الذي شيد عام 1969.

والمهلة التي منحت للمتحصنين في المسجد والذين يزيد عددهم على الألف حسب بعض التقارير، قصيرة نسبيا مقارنة بخطورة الوضع والقضية وأصحابها. وربما كان من الحكمة حل المسألة بطريقة أكثر عقلانية بعيدا عن إسالة الدماء.

فمجرد استخدام الرصاص لا يحل المشكلة الأساسية، كما لم تحل كل الأسلحة الحديثة جزءا يسيرا من مسألة الإرهاب العالمي، بل زادته اتساعا، خاصة وأن من بين المعتصمين نساء وأطفال ولا نعرف إن كان نجا منهم أحد، رغم البيان الحكومي الذي ذكر أنهم لم يصابوا بأذى.

إن لجوءنا الدائم إلى القوة والعضلات لفرض أفكارنا أو لردع خصومنا أصبحت ظاهرة منتشرة في العالم، وأصبحت شعوب العالم تعيش في حالة قلق وتوتر نفسي متزايد بسبب تكرار هذه الظاهرة على مستوى العلاقات بين الدول، وعلى مستوى الحكومة والشعب وحتى على مستوى الأفراد فيما بينهم.

فمجرد الاختلاف مع الآخر على فكرة ولو كانت تافهة قد يتطور إلى حمام من الدم، إلى درجة أن الجنس البشري أصبح معرضا لخطر الانقراض مع مرور الزمن، إذا ما أضفنا ضحايا الفيضانات والحروب والأمراض الفتاكة وتزايد نسبة الفقر.

ترى كم سيكون عدد الهنود الأبرياء الذي كانوا سيقتلون عن بكرة أبيهم لو لم يستخدم المهاتما غاندي فلسفة اللا عنف في محاربة المستعمر؟ وربما كانت النتيجة التي حصل عليها هذا الزعيم بالسلم أكبر وأهم من النتيجة التي سيحصل عليها لو لجأ إلى الصدام المسلح.

ولا نعني بأن كل الأمراض المستعصية تجب معالجتها بالسلم، فهناك حالات تستوجب استخدام مبضع الجراح وخسارة كمية كبيرة من الدماء حتى يصح باقي الجسد. ولكن أطباء اليوم لا يلجأون للجراحة لأي مرض بسيط يمكن معالجته بالأدوية المتعارف عليها.

ولم نسمع قط أن طبيبا قطع أنف مريض لأنه مصاب بالزكام، أو اقتلع عين آخر لأنه مصاب بالرمد. بل إن بعض العمليات الجراحية قد تترتب عليها ردة فعل للجسم قاتلة. إن قضية المسجد الأحمر لا تخرج عن هذا الإطار،

وكان على الحكومة الباكستانية توخي الحذر في تعاملها مع مثل هذه المجموعة المتشددة التي، مثلها مثل أي مجموعة إسلامية أخرى متطرفة، باعت أرواحها وأجسادها وأهلها لمبادئها التي تؤمن بها، لا يقضى عليها بهذه السهولة. فهذا المسجد الذي بني قبل ثلاثين عاما أصبحت له جذوره ورجاله ومؤسسوه والقائمون عليه وفكره.

ولم يتصور أحد قط بأن هناك مسجدا قد يصبح حصنا لأكثر من ألف رجل وامرأة وطفل! وهو ليس فقط مسجداً كباقي المساجد، فهو مدرسة وكلية وجامعة ومركز ديني متقدم، كما أن رئيسه السابق الذي قتل أيضا في نهاية التسعينات كانت له علاقات قوية تربطه بضياء الحق رئيس باكستان السابق، ولعب دوراً مهما في الحرب التي كانت قائمة بين المجاهدين الأفغان والاتحاد الروسي آنذاك.

لقد علمتنا التجارب في التعامل مع من نطلق عليهم المتطرفين (وقد ذكرنا في أكثر من مناسبة أن لفظة التطرف مسألة لها أكثر من وجه) أن العنف لا ينهي الصراع لصالح طرف على حساب طرف آخر. بل إن محاربة الإرهاب ضاعفت من حدة الإرهاب. غير أننا لا نزال نؤمن بفكرة الإصرار على مواقفنا وعدم تغيير استراتيجياتنا، وما زلنا نعتقد بأن سفك الدماء هو الحل الوحيد لإفحام الخصوم.

وقد أجمع كافة المحللين السياسيين بعد نهاية أحداث المسجد الأحمر، على أن الرئيس الباكستاني وجد نفسه في وضع لا يحسده عليه أحد. ذلك أن هذا الحدث سيجر باكستان بعد أن هدأت العاصفة إلى زلزال مدمر، وربما انتقل جزء من العنف في العراق إلى عمق باكستان.

فالإرهاب الحديث أصبحت له مؤسساته ومراكز قواه ورجاله المنتشرين في كل مكان، وهم يشبهون تماما القنابل الموقوتة الفتاكة التي يتم تفجيرها عن بعد بالريموت كنترول، والتي تشبه تماما تلك التي تزرعها المقاومة العراقية في الطرق بانتظار مرور إحدى مركبات الجيش الأميركي. فمجرد ضغطة زر واحدة تكفي لتقتل عشرات الجنود.

وهذا ما يخيفنا اليوم، وهو أن هناك من أراد جر باكستان إلى هذا المستنقع. فالخطة الموضوعة للدول الإسلامية على المدى البعيد (وهي خطة ناجحة مئة بالمئة) هي جرها إلى صراعات طائفية داخلية تحيلها إلى خراب، ويصعب بعدها النهوض من تحت الركام، خاصة إذا كانت تلك الدولة الإسلامية تمتلك أو حتى تحاول امتلاك مصنع نووي صغير واحد قد يهدد ولو من بعيد أمن اليهودي في يوم من الأيام.

هل حافظت الحكومة الباكستانية على النظام من خلال أسلوب التعامل مع تلك القضية ومن خلال عملية المداهمة تلك؟ لا أحد يستطيع الإجابة عن مثل هذا السؤال بهذه السرعة التي حلت فيها المسألة.

لقد قتل إمام وخطيب هذا المسجد الشيخ عبدالله في السابق، وبالأمس ألقي القبض على ابنه الشيخ عبدالعزيز وبعدها قتل ابنه الثاني عبدالرشيد أثناء محاصرة المسجد الأحمر، وبالتالي أصبح الصدام الدموي هو الحل الوحيد لإدخال باكستان في دوامة العنف القادمة، شئنا أم أبينا، لا لأن الشعب الباكستاني يريد ذلك، بل لأن هناك مصالح دولية لا بد من تأمينها بشكل من الأشكال.

وسواء كان الرئيس الباكستاني برويز مشرف يتصرف بأوامر خارجية أو بسياسته الخاصة في التعامل مع التطرف الإسلامي ومكافحة الإرهاب بدعم من الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن المسجد الأحمر قد يكون بداية لشلال من الدم الأحمر في باكستان، خاصة وأن هناك دعوة مستمرة لهدم هذا المسجد بحجة أنه بني بطريقة غير قانونية على أرض تابعة لوزارة التربية!

كيف نقنع المتشددين بشكل خاص بل والمسلمين في كل أنحاء العالم بشكل عام بأن هناك مسجدا بهذا التاريخ وهذا الحجم وهذه الشهرة التاريخية قد بني بطريقة غير قانونية! وكيف نقنعهم بعد أن يهدم بأنه إجراء قانوني طبيعي!

كل ما نرجوه من أحداث المسجد الأحمر ألا تدخل باكستان - تلك الدولة ذات العلم الأخضر والهلال الأبيض والنجمة اللامعة - في دوامة العنف الأحمر الذي قلب موازين القوى في العراق، وأن لا نلجأ كما تفعل بعض الدول الكبرى، إلى العنف والكراهية بين الشعوب لحل خلافاتنا الصغيرة، ولتحقيق مصالحنا المادية المؤقتة.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com