تصريحات رايس التي أعلنت فيها رفض واشنطن للمقترحات الروسية حول الاستخدام المشترك للقاعدتين غابالا (اذربيجان) وأرمافير، وعزم البيت الأبيض على بناء قاعدتي الدفاع المضاد للصواريخ في بولندا وتشيكيا، لم تحمل آية مفاجأة للأوساط السياسية الروسية، التي كانت تتوقع أن الولايات المتحدة لن تقبل المقترح الروسي، لأنها لا تستهدف حماية أمنها من الأخطار الإيرانية والكورية، بقدر ما تسعى لنشر قواعدها على حدود روسيا، ما اعتبرته موسكو تهديدا للأمن القومي الروسي.
ولا شك أن تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية التي لم تقتصر على أزمة الدرع الصاروخية، وإنما اتسعت لتشمل ملفات الغاز الروسي وانتخابات الرئاسة الروسية عام 2008، في إطار تحذيرات أو نصائح أميركية ترفض تعديل الدستور وسياسة موسكو في استثمار ثرواتها الطبيعية، لاشك أن هذا كله يعكس نفاد صبر الأميركيين من جهة، وعزمهم على تطويق روسيا والبحث عن ثغرات تمكنهم توطيد نفوذهم في المنطقة، والوصول إلى مواقع النفط والغاز في حوض بحر قزوين وغيرها من مناطق وسط آسيا.
ولعلنا نتذكر برنامج حرب النجوم أو مبادرة الدفاع الاستراتيجي الذي أعلنه دونالد ريجان سنة 1983، ورصد له ميزانية 26 مليار دولار على مدى 5 سنوات ضمن أقصى درجات السرية. وتميزت الأسلحة التي كان يجب أن تستخدم في البرنامج بأنه يصعب كشفها عن طريق أجهزة قياس الحرارة، باعتبار أن مدة عمل الصاروخ لا تزيد على 5 دقائق. وتستخدم برامجه من أجهزة الكمبيوتر تسمح للصورايخ باكتشاف الصواريخ المعادية، إضافة لسلاح أشعة الموت الذي يتألف من أشعة الليزر. وقد نشرت مراكز أبحاث أميركية عدة مقالات في أواخر التسعينات كشفت عن أن برنامج حرب النجوم كان في معظمه برنامجا إعلامياً أكثر منه عسكريا، استخدم في إطار حصار الاتحاد السوفييتي ودفعه نحو زيادة الأنفاق على سباق التسلح، ما يزيد من إنهاك اقتصاده ويعجل بانهياره.
أما اليوم فالوضع يختلف، لأن الولايات المتحدة أصبحت القوة الأساسية في العالم، التي تمتلك القدرة على عسكرة الكوكب، بل إن سياسة عسكرة العالم تحقق مصالح الشركات الأميركية وتدر عليها أرباحا خيالية. وتعتبر هذه السياسة وفق برامج الجمهوريين المخرج من الأزمات الاقتصادية التي يواجهها الاقتصاد الأميركي، باعتبارها تؤدي لتخفيض نسب البطالة، وتزيد من حركة المبيعات، وبالتالي تحقق انتعاشاً اقتصادياً. وان كان هذا الانتعاش زائفاً باعتبار أن تنشيط برامج التصنيع العسكري يتطلب زيادة عائدات الخزينة الحكومية لشراء منتجات مصانع الأسلحة، ناهيك عن تفجير بؤر التوتر لزيادة الطلب على الأسلحة والمعدات العسكرية. وكل هذه الإجراءات عادة ما يتحمل نفقاتها المواطن العادي.
وعقب انهيار الاتحاد السوفييتي لم تعد برامج الجمهوريين تستهدف من تنشيط صناعة الأسلحة إنعاش الوضع الاقتصادي فقط، وإنما باتت ضرورة سياسية لتوسيع النفوذ الأميركي وزيادة مناطق الهيمنة الاقتصادية سواء منابع الثروات الطبيعية، أو السيطرة على أسواق جديدة للمنتجات الأميركية، ما دفع البيت الأبيض للبحث عن سبل لنشر قواته في وسط آسيا وإقليم القوقاز. وضمان مصالح الشركات الأميركية في هذه المناطق، وهو ما يتطلب إزاحة النفوذ الروسي وفرض سيطرة كاملة على هذه المناطق سياسيا وعسكريا واقتصاديا.
وكانت المحاولات الأولى عندما نشرت واشنطن قواتها وقواعدها في أوزبكستان وقرغيزيا في إطار التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.إلا أن الوعود الأميركية لقيادات هذه البلدان بإنعاش اقتصاده وإخراجه من أزماته من خلال استقطاب الاستثمارات ذهبت ادراج الرياح، ما دفع حكومة أوزبكستان لإنهاء الوجود العسكري الأميركي على أراضيها، وقامت قرغيزيا بزيادة إيجار قاعدة ماناس عشرات الأضعاف. أما المرحلة التالية فكانت عبر الثورات البرتقالية في جورجيا وأوكرانيا، إلا ان المخطط الأميركي لم يحقق نجاحات مهمة بسبب احتياج هذه الدول للطاقة الروسية بمختلف أشكالها (غاز، نفط، كهرباء).
ولم يبق أمام الولايات المتحدة سوى نشر قواتها على الحدود الروسية، ومحاولة البحث عن ثغرات في السيادة الروسية لتحقيق خططها. في هذا السياق يمكن أن نفهم مشروع واشنطن لبناء درعها الصاروخية في شرق أوروبا ونشر راداراتها على الحدود الروسية. وأعلنت القيادة الروسية وهيئة الأركان العامة أن عناصر المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ التي سيتم نشرها في أوروبا موجهة ضد روسيا، واعتبرت ما يقال عن أن هذه الدرع لحماية الولايات المتحدة من الصواريخ الكورية الشمالية والإيرانية ما هو إلا حجة واهية. وكان من الطبيعي أن تدرك موسكو توجهات المشروع الأميركي، إلا أن عدم توفر الإمكانية لديها لفرملة هذا المشروع دفعتها للبحث عن سبل متنوعة لإفشاله، ولجأت إلى ثلاثة محاور:
1- إعادة نشر قواتها الاستراتيجية والصاروخية على أراضيها بما فيها إقليم كالينينجراد الواقع عمليا ضمن دول الاتحاد الأوروبي لحماية أمنها القومي.
2- التقدم بمبادرات بديلة تحقق الأهداف الأميركية المعلنة لمشروع الدرع الصاروخية.
3- استخدام مختلف السبل للضغط على الدول الأوروبية حتى ترفض نشر الرادارات والصواريخ الأميركية على أراضيها.
وكان واضحا من تصريحات رايس الرافضة لكافة المقترحات الروسية أن واشنطن تدك محاور الضغط التي تستخدمها موسكو لذا تناولت ملفات الغاز وأعربت عن قلقها تجاه إمداد أوروبا بالغاز، وتجاوزت الحدود لتوجه انتقادات للكرملين وتحذر بوتين من تعديل الدستور للبقاء على مقعد الرئاسة، وهو ما دفع العديد من المحللين للاعتقاد بأن هذه المحاور قد تؤدي لنتائج ما، خاصة بعد دعوات فرنسا بتشكيل الاتحاد المتوسطي والذى يبدو بعيدا عن تصورات واشنطن للتعاون مع أوروبا. ولم يعد لدى روسيا سوى الحليف الأوروبي للضغط على واشنطن، أو على الأقل على ممثلي أوروبا الجديدة الذين ينتهجون سياسات مرتبطة بتوجهات الولايات المتحدة ولا تأخذ بعين الاعتبار الرؤية الأوروبية العامة ومصالح القارة القديمة، وذلك كي يتراجعوا عن قبولهم بنشر الصواريخ الأميركية على أراضيهم.
ولابد من الاعتراف أن المهمة الأميركية في التعامل مع هذه الحكومات ستكون صعبة ومعقدة، ليس فقط بسبب أوضاعها الاقتصادية المتردية وأزماتها المتعاقبة، ما سيجبر واشنطن على تقديم سيل من المساعدات لها. وإنما أيضاً لأن حكومات هذه الدلو لديها طموحات سياسية تفوق قدراتها، وستحاول ابتزاز الحليف الأميركي على أرضية التحالف ضد روسيا.وعلى البيت الأبيض أن يحدد أولويات سياساته الخارجية التي لا تقتصر على فرض نفوذ الولايات المتحدة على وسط آسيا والقوقاز، وإنما تتضمن أيضاً مكافحة الإرهاب والحد من انتشار الأسلحة النووية، والتي يجب أن تدرك من هو الطرف القادر على تأمين الأمن والاستقرار في هذه الأقاليم، والقادر على اتصدي لأزمات هذه المناطق السياسية والأمنية؟
إن الولايات المتحدة تحمل نفسها أعباء أكبر من طاقاتها، كما كان عليه الحال في العراق. بل انها في سبيل ذلك تشن حملة حادة على موسكو بدأتها بتصريحات رايس، فهل تسعى إدارة بوش لاستعادة الحرب الباردة والعودة لسباق التسلح، حتى تحقق احتكارات السلاح الأميركية المزيد من الأرباح؟ وهل يستحق ذلك التلاعب بمصائر الشعوب بما فيهم الشعب الأميركي؟
مركز دراسات الطاقة
روسيا