في مثل هذا اليوم قبل ثلاثين يوماً بالتمام والكمال، كانت القوة العسكرية لحركة حماس قد أكملت سيطرتها على كل مواقع ومقرات أجهزة الأمن الفلسطينية ومقر الرئاسة، وبقية المؤسسات والأجهزة في قطاع غزة.
ثلاثون يوماً مرت كأنها ثلاثون شهراً أو يزيد انطلاقاً من ضخامة الحدث، وطبيعته المأساوية، وتداعياته الخطيرة جداً على كل مكونات الحالة الفلسطينية اجتماعياً وسياسياً ونفسياً وثقافياً وجغرافياً بما في ذلك تهديد ما دأب الفلسطينيون على اعتباره انجازات تاريخية تحققت عبر سنوات طويلة من النضال والتضحيات.
ليس هذا وحسب، بل إن الطرفين حماس وما تبقى من الحكومة المقالة برئاسة إسماعيل هنية في غزة، وفتح، والرئاسة وحكومة الطوارئ برئاسة الدكتور سلام فياض في الضفة، قام كل منهما بعمل دؤوب على مدار الساعة، كل لتعزيز «سلطته» وشرعيته، والنيل من سلطة وشرعية الآخر، فيما ينقسم الفلسطينيون على أنفسهم، يتملكهم الخوف والقلق على الصعيدين الفردي والجماعي.
شهر أو دهر بطوله مر حتى الآن على دخول أزمة الصراع الدامي على السلطة، في حلقتها الأخيرة التي تمثلت بإقدام حماس على حسم الصراع عسكريا في قطاع غزة، ليشكل ذالك بداية لحسم قد يرتقي إلى مستوى الحسم الوجودي بالنسبة لكل من حركة حماس وحركة فتح، بالإضافة إلى حسم مرحلة من العمل السياسي والنضالي، ونحو آفاق غير معروفة حتى الآن.
الحسم العسكري لحركة حماس على الأرض في غزة، رفع مستوى التفكير لدى قيادتي الخصمين المتحاربين إلى مستوى الحسم في اتخاذ القرارات والخيارات ورفض ونفي الآخر، مترافقا مع حملة لا تتوقف يستخدم فيها كل طرف ضد الآخر، أصعب ما في جعبته من اتهامات، وصفات، وألفاظ وأسوأ ما لدى كل طرف من عبوات التحريض والتكفير والتخزين.
وفيها اعتلت حركة حماس منذ اليوم الأول بعد الحسم العسكري سلم المطالبة بالحوار بين «الأشقاء» انطلاقاً مما جرى، وأصبح بيدها، وبدون أن تبدي أي إشارة إلى استعدادها لإبداء الأسف أو الندم أو التراجع عما أقدمت عليه، بينما يظهر الرئيس محمود عباس على غير عادته وما هو معروف عنه، قدراً من التصلب والتشدد إزاء من يعتبرهم الانقلابيين الدمويين، بحيث لا يتوقف عن إصدار ما يتيحه له النظام الأساسي من الصلاحيات، من مراسيم لرفع الغطاء والشرعية عن حماس والحكومة المقالة، وعن كل ما تفعله لإحكام الحصار عليها.
ويعبر الرئيس عباس عن تشدده من خلال رفض الحوار مع من يسميهم بالانقلابيين قبل أن يتراجعوا عما فعلوا، ويعيدوا كل شيء على حاله قبل العاشر من يونيو، والاعتذار للشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير عما أقدموا عليه، ذلك أنه يرفض التسليم بالأمر الواقع، أو أن يذهب إلى الحوار، وفيما «قدم حركة حماس على رقبته».
من الواضح أن الرئيس عباس قد حزم أمره باتجاه التساوق مع الاتهامات الأميركية والأوروبية لحركة حماس بالإرهاب، إذ صرح للتلفزيون الايطالي يوم الثلاثاء الماضي، أن حركة حماس تؤوي «القاعدة» في قطاع غزة، وهي قريبة جدا منها. إشارة الرئيس عباس تذهب إلى أمرين الأول علاقة حماس بما يعرف في قطاع غزة بجيش الإسلام الذي كان يحتجز الصحافي البريطاني ألان جونستون وكيفية الإفراج عنه عبر صفقة وتراض بين الطرفين، والأمر الثاني، رسائل التأييد والإشارة التي قدمها الرجل الثاني في «القاعدة» أيمن الظواهري، لحركة حماس في رسالتيه الأخيرتين.
وفي الواقع استطاع الرئيس محمود عباس استناداً إلى موقعه كرئيس لمنظمة التحرير، ورئيس للسلطة، والصلاحيات الممنوحة له سد كل الثغرات التي تراهن عليها حماس في رفع الحصار أو اختراقه، بما في ذلك دولة قطر التي اتخذت في اجتماع وزراء الخارجية العرب موقفاً متفرداً إلى جانب حماس، والتي عدلت موقفها من خلال الاجتماع الأخير لمجلس التعاون الخليجي، وأكدته إثر زيارة المستشار الإعلامي لعباس نبيل عمرو للعاصمة القطرية مؤخرا.
وفي إطار تشديد الخناق على حركة حماس، ونزع آخر ما تبقى لها من شرعية دعا عباس المجلس التشريعي الذي تحظى فيه حماس بالأغلبية إلى افتتاح الدورة السنوية الثانية يوم الأربعاء الماضي الحادي عشر من الجاري، ذلك أن الدورة الأولى انتهت يوم الرابع من الشهر الجاري بعد تمديد لأربعة أشهر بناء لطلب من حماس في حينه. في هذه الدورة السنوية الجديدة، يفترض من المجلس التشريعي أن يراجع قرار الرئيس بالنسبة لإعلان حالة الطوارئ، وكل المراسيم التي صدرت، وأن ينتخب هيئة رئاسة المجلس.
حركة حماس رفضت حضور المجلس، ذلك أنها في ضوء غياب نحو ثلاثة وأربعين نائبا تحتجزهم إسرائيل، ستجد نفسها في موقع الأقلية بما يتيح لكتلة فتح انتخاب هيئة رئاسة المجلس من أعضاء، على ما اتخذه الرئيس من قرارات ومراسيم.
هذا يعني من ناحية أخرى تعطيل المجلس، وإتاحة الفرصة حسب النظام الأساسي للرئيس محمود عباس لإصدار تشريعات، مما سيضع حركة حماس في مأزق شديد سواء انعقد المجلس أو لم ينعقد الأمر الذي جعل الرئيس عباس يتحدث عن خيارات صعبة تنتظر الساحة الفلسطينية، وربما يؤدي ذلك أيضا لإفساح المجال أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية لمصادرة صلاحيات المجلس التشريعي لصالحه وبما يعزز صلاحيات وسلطات الرئيس.
الخطة التالية ستأتي يوم السادس عشر من الشهر الجاري بعد أن تكون انتهت دستوريا صلاحية حكومة إسماعيل هنية المقالة، إذ لا يعود لحماس أن تتحدث عن شرعية الحكومة المقالة فيما يمكن للرئيس عباس أن يتخذ قراراً بتمديد فترة الطوارئ، وتوسيع حكومة فياض.
ثمة أزمة أخرى تفجرت في وجه حركة حماس، وهي أزمة إغلاق معبر رفح الذي ترفض إسرائيل فتحه منذ إغلاقه قبل شهر، بدعوى سيطرة حماس على غزة، الأمر الذي خلق أزمة إنسانية متفاقمة لأكثر من ستة آلاف فلسطيني عالقين على الجانب المصري من معبر رفح، والذين توفي منهم حتى الآن نحو ثلاثين فلسطينيا.
وفيما تحاول مصر معالجة هذه الأزمة بالتنسيق مع إسرائيل لإدخالهم من خلال معبر كرم أبو سالم على مثلث حدود قطاع غزة مع مصر وإسرائيل ولا صلاحية للفلسطينيين عليه، وتقبل بذلك حكومة فياض دون أن تتنازل عن الحق الفلسطيني في معبر رفح، فإن حركة حماس ترفض هذا الحل، مما يعني أن العالقين من الجانبين الفلسطيني والمصري يواجهون أزمة إنسانية متفاقمة تحصد المزيد من الأرواح، وتخلف الكثير من الأزمات.
وفي الواقع فإنه وبدون تراجع حركة حماس عما أقدمت عليه فإن الأزمة تتجه نحو المزيد من التفاقم، وإغلاق بوابات الحوار وبما يفقد الفلسطينيين أي قدرة على المعالجة، في انتظار ما تسفر عنه المداولات الدولية والإقليمية من حلول، قد تؤدي إلى تشكيل «قوة دولية صلبة» في الأراضي الفلسطينية كما يطلب الرئيس عباس وتقترح دول الاتحاد الأوروبي المطلة على المتوسط.
ومن الواضح أن ثمة تحركات سياسية مكثفة نحو المنطقة وفي أرجائها، من المرجح أن تؤدي إلى بلورة اتجاه عام لكيفية التعامل مع الأزمة الفلسطينية، من خلال اجتماع الرباعية الدولية بحضور كل من إيهود أولمرت ومحمود عباس في القاهرة أواسط هذا الشهر.
كاتب فلسطيني