يخرج من بيته كل يوم وهو يجر نفسه نحو سيارته، وما أن ينطلق على الطريق حتى يبدأ إعصار الأفكار يعصف برأسه ويحطم كل شعور جميل قد يتبادر إليه. يصل إلى عمله وكأنه وصل إلى المقبرة... يسمع نواحاً هنا وتراتيل هناك... يرى وجوهاً مكفهرة وأخرى ترهقها قترة... يفتح باب مكتبه... يضعونه في لحده... يغلق الباب... يتسارع الكل ليكيل عليه التراب... ظلام دامس يحيط به من كل جهة... أحمد صباح الخير!
يستفيق من سرحانه وكأن روحه قد ردت إليه... يدرك أنه في المكتب وأن ما كان يراه ما هو إلا خيالات ألقت بظلالها على حياته التي أصبحت خليطاً بين الحياة والموت. فهو يعيش ليعمل ولا يعمل ليعيش، كالآلة تماماً يعمل ليل نهار مقابل مبلغ لا يأبه بحجمه... فعلى الرغم من أنه يتقاضى راتباً سخياً إلا أنه كان أكثر سعادة عندما كان يتقاضى ثلث هذا الراتب، فعندها كان العمل جزءاً من حياته، ولم تكن حياته جزءاً من العمل.
ليست هذه كلمات نثرية لتسلية القارئ وإنما بعض ما خالج أحد زملائي من أحاسيس عندما سألته عن سبب تعاسته، فكلما رأيته وجدته شارد الذهن كئيب القسمات وكأن به مرضاً عضالاً. صديقي هذا هو واحد من آلاف كثر ركبوا قطار «الوظائف العليا» وظنوا بأنه سيتوقف يوماً ما... وما زالوا يأملون أن يتوقف هذا القطار الذي ما أن انطلق حتى حجب عن أنظارهم جمال الحياة وألوانها الزاهية من شدة سرعته... وجعل جميع المناظر الجميلة التي يمرون عليها ضبابية تماماً مثل الذكريات... ولعل الذكريات تنفع أحياناً في نقل المرء من عالم إلى آخر، فكما قال جبران:«التذكار شكل من أشكال اللقاء».
يقول لي صديقي بأنه منذ أن انخرط في وظيفته الحالية وهو لا يعرف في الحياة شيئاً غيرها، حتى أنه يظن أحياناً بأن جدته التي توفيت قبل أكثر من ست سنوات ما زالت على قيد الحياة... مسكين، أراد يوماً أن ينادي أخته فنسي اسمها... مسكين، قال لي مرة بأنه يصلّي العشاء ثلاث أو أربع مرات... مسكين، لا يعرف بأنه قد مات. هكذا يصف لي حالته عندما يحاول أن يستشعر التيه الذي يمر به حيث يظن أحياناً بأنه قد مات منذ زمن، ولكن دون أن يدري.
إلا أنه في المقابل يقود مؤسسة بها مئات الموظفين، ويدير مشاريع حيوية جداً تفيد اقتصاد بلده وسمعتها... ولكنها لا تفيده، ويلقي كل شهر محاضرة على الأقل في أحد المجالات التي يتقنها... ولكنه لا يتقن غيرها لأنه جعلها الشيء الوحيد في حياته، فكلامه عن وظيفته، وطموحه في وظيفته... وموته أيضاً في وظيفته. يقول لي بأنه شاب طموح جداً، حتى انه يتخيل نفسه أكثر طموحاً من الإسكندر الأكبر الذي أراد أن يحكم الأرض... ولكن الإسكندر لم يكن يعرف ماذا يريد!
في كل مرة يحضر فيها دورة تدريبية يعقد العزم على تغيير مجرى حياته إلى الأفضل، ويضع خطة ـ غير مكتوبة ـ لتنمية جوانب أخرى في حياته... مسكين، لا يعرف بأن الوظيفة هي كل حياته وأن يوم وفاته سيكون يوم تقاعده... إذا وصل إلى سن التقاعد... ولكن كيف يتقاعد الميت!
حمل ابنته يوماً بين ذراعيه وأخذ ينظر إليها وهي تداعبه... ضحكت وهو يحدق بها، بكت وهو ما زال محدقاً، دفعت وجهه فسقط على جنبه وسقطت معه... مسكين، لا يعلم بأنه قد مات.