رغم القلق المتزايد لدى روسيا والأوروبيين ولدى دول أخرى كثيرة من نشر منظومة الدفاع الصاروخية الأميركية في شرق أوروبا، ورغم المبادرة الروسية التي طرحها الرئيس الروسي بوتين على واشنطن في قمة الثماني في يونيو الماضي والتي تعطيها الحق في استخدام محطة الرادار العسكرية الروسية الموجودة في أذربيجان مقابل عدم نشر المنظومة الدفاعية في شرق أوروبا.

ورغم عدم تصديق الجميع للحجة الأميركية بأن هناك تهديدا لأوروبا من صواريخ إيرانية أو كورية، إلا أن الإدارة الأميركية مصممة على المضي قدما في مشروعها، الأمر الذي يثير تساؤلات كثيرة، وما زاد من الجدل والتساؤلات أكثر فشل التجربة الأخيرة لنظام الدفاع الصاروخي الأميركي التي أجريت يوم الجمعة 25 مايو الماضي، وهذا ليس أول فشل لها فقد سبقه أكثر من خمسة تجارب فاشلة منذ عام 2002 وحتى الآن، ورغم ذلك فإن إدارة بوش مصممة على الاستمرار واستئناف التجارب قريباً في هذا الصيف كما صرح بذلك المسؤولون الأميركيون.

ولم يمض على الفشل الأميركي أربعة أيام فقط حتى أعلنت موسكو عن نجاح تجربتين لها لإطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات ضمن منظومة صواريخ (اسكندر ـ م) وإصابتهما لأهدافهما بنسبة 100%، وأعلن نائب رئيس الوزراء الروسي سيرجي إيفانوف أنه لا توجد أية منظومة دفاعية في العالم تستطيع التصدي لهذه الصواريخ الروسية.

والأمر ليست فيه مبالغات ولا دعاية سياسية فقد شهد العالم كله على الشاشات التجارب الروسية والأميركية من مواقع إجرائها، كما أن الوزيرة الأميركية رايس اعترفت بأن الصاروخ الروسي الذي تمت تجربته لا يمكن لأي منظومة دفاع أن تعترضه، وأضافت قائلة «إننا نهنئ روسيا على نجاح التجربة لكننا لا نتمنى لها أن تستخدمه»، وعلق وزير الخارجية الروسي لافروف على ذلك قائلا «نتمنى نحن أن لا يضطرنا أحد لاستخدامه».

السؤال هنا هو لماذا تصر الإدارة الأميركية على الاستمرار في التجارب الفاشلة، والتي حتى لو نجحت فلن تكون لها قيمة أمام الصواريخ الروسية؟

للإجابة عن هذا السؤال نقول أن إدارة بوش وجدت من أجل الحروب، ولو فشلت عشرات التجارب لمنظومة الدفاع الصاروخية فلن تتراجع عنها، والأمور بالنسبة لهذه الإدارة تقاس بمقاييس أخرى مرتبطة بالمال والميزانية العسكرية المخصصة لهذه المنظومة، هذه الميزانية التي تواجه صعوبات في اعتمادها في الكونغرس من الديمقراطيين الذين شطبوا منها مؤخرا جزءا كبيرا.

وكانت إدارة بوش تطمح من وراء نجاح التجربة الماضية أن يتراجع الكونغرس عن قرار الشطب ويعتمد الميزانية كلها لهذا المشروع الذي سيعود بالأرباح الكبيرة على مؤسسات التصنيع الحربي الأميركية التي على ما يبدو أنها لم تشبع بعد من عائدات الحرب في العراق وما زالت تريد المزيد في ظل وجود إدارة مطيعة وخاضعة لها مثل إدارة بوش.

يمكن القول إن الأميركيين صادقون في قولهم وتصريحاتهم بأن المشروع ليس له أي توجهات أمنية عسكرية ضد روسيا، لكنهم ليسوا صادقين في قولهم إنه ضد التهديدات القادمة من دول مثل «إيران وكوريا الشمالية»، هذا المشروع في الأساس يشكل استنزافا كبيرا للميزانية الأميركية لصالح مؤسسات صناعة السلاح هناك.

وقد ظل الجمهوريون صامتين عنه طيلة سنوات حكمهم السبع الماضية لأن الحرب في العراق وأفغانستان كانت تحقق للمؤسسات الصناعية الحربية عائدات خيالية لم تحققها منذ عام 1985 بعد تولي جورباتشوف الحكم في الاتحاد السوفييتي وبداية أفول الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن مما أضعف حجة البنتاغون ومن ورائه تجار السلاح في طلب ميزانيات كبيرة للحروب حتى جاء المحافظون المتشددون من صقور الحرب في إدارة الرئيس بوش وجاءت معهم أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وظهر تهديد الإرهاب المتطرف الذي لم تعرف مصادره حتى الآن وإن كان قد بات واضحا للجميع أن المستفيد الأكبر من وراء هذا الإرهاب هم تجار السلاح الأميركيون الذين باعوا للبنتاغون من الأسلحة منذ عام 2002 حتى الآن ما يعادل عشرين ضعف ما باعوه خلال سنوات التسعينات».

الآن أصبح من المتوقع أو حتى من المؤكد أن ميزانية الدفاع ستنخفض بشكل كبير بعد خروج الجمهوريين ودخول الديمقراطيين للبيت الأبيض، واحتمالات الحروب الواسعة النطاق والممتدة لزمن طويل ستضعف بشكل كبير، ولهذا لا بد من إحياء الاهتمام بهذا المشروع حتى يشكل مصدرا لعوائد مالية كبيرة أخرى لمؤسسات صناعة السلاح الأميركية.

ويجب عدم الانتظار حتى يخرج الجمهوريون ويأتي الديمقراطيون للبيت الأبيض حتى لا يكون هناك مبرر للديمقراطيين مرة ثانية أن يهملوا المشروع بحجة أن الجمهوريين كانوا في الحكم ولم يهتموا به، وبالتالي يمكن القول أن ما تفعله إدارة بوش الآن مع مشروع نظام الدفاع الصاروخي والذي يزعج روسيا كثيرا ليس الهدف منه معاداة روسيا ومحاصرتها بقدر ما الهدف هو توريط الديمقراطيين بعدهم في الاستمرار في هذا المشروع وعدم التراجع عنه.

كما أن نشر منظومة الدفاع الصاروخي الأميركي في أوروبا سوف يوحي بوجود تهديدات أمنية وعسكرية على بلدان أوروبا سواء من روسيا أو من إيران وكوريا الشمالية وغيرها-كما تدعي واشنطن-وهو الأمر الذي سيفرض على هذه الدول ضرورة دعم أمنها وقوتها العسكرية وتخصيص ميزانيات أكبر للدفاع على حساب برامج التنمية الاقتصادية، وهو الأمر الذي سيعود على مؤسسات تصنيع السلاح الأميركي بعائدات كبيرة لأنها ستشكل المصدر الأول وربما الوحيد لتسليح هذه الدول، وربما يفسر هذا مدى قلق الأوروبيين من هذا المشروع.

إذا المشروع الأميركي له أهداف أخرى ربحية كبيرة لجهات معينة، ولكن إذا كان الأمر كذلك فلماذا تغضب روسيا وتثير كل هذه الزوبعة إذا كانت فعلا غير مستهدفة بشكل مباشر من وراء هذا المشروع؟

الأمر بالنسبة لروسيا له اتجاهات أخرى، إذ لا يمكن لروسيا أن تقف صامتة وسلبية إزاء ما يحدث على حدودها من حشود عسكرية أميركية، حتى لو كانت لا تستهدفها بشكل مباشر، لأن هذا في النهاية سيشكل نقاط ضعف قوية على روسيا وسيكون له بالغ الأثر على مكانتها على الساحة الدولية، حيث ستبدو للعالم وكأنها محاصرة ومشلولة أمنيا بل أيضا ومهددة في أي وقت، الأمر الذي يضعف هيبتها ويصرف عنها حلفائها ويتيح الفرصة لأطماع الدول الأخرى للإضرار بمصالحها.

جامعة سيبيريا