تُطالعنا في المعارض التشكيليّة لبعض الرسّامين لوحاتٌ نعجز عن فهمها. ترتسم في خواطرنا حكاياتٌ مشكوكٌ في صحّة معانيها، فنضيع بين تماوج ألوان هذه التحف وننتقل مع خطوطها إلى مساحاتٍ بعيدة على أمل أن ندرك مضامينها ونكشف ألغازها.

لكنّها على الرغم من غموضها تبقى لوحات جميلة مصمّمة على أسس الفنّ التجريدي وتمتّع ناظرنا.

« الديموتاتوريّة»، غريبٌ هذا العنوان ليس نوعًا من أنواع الرسم ولا اسماً لأحد عباقرة النحت في القرن السابع عشر. تركيبة الحروف وتناسقها غريب، لفظها وقبولها على مسمع القارئ صعب!

عجيبٌ هذا الكاتب ألا يدرك أنّ الأذن تعشق قبل العين أحيانًا؟

تنهض الدول على مبدأ أنّ للمواطن حقوقاً وعليه واجبات. أيّ خلل يحصل في هذه التركيبة يعني أنّ الدولة أصبحت على كفّ عفريت، ومن الطبيعي أن يكون هناك فعل وردّ فعل.

أتى مفهوم الديمقراطيّة ليساند بعض الشعوب ويمنحها حقّ التعبير عن الرأي بالطبع تحت سلطة الدستور والحكومة.

وممّا لا شكّ فيه أن مفعول هذه العصا السحريّة الملقّبة بالديمقراطيّة قويّ جدًّا إلى درجة قلبت معها المقاييس وشقلبت المفاهيم. فأصبح تهديم البيوت ديمقراطيّة! تشريد العوائل ديموقراطيّة! تهديد الأمن القوميّ ديموقراطيّة!

نهب الشعب ديموقراطيّة! تفجير الأطفال ديموقراطيّة!

ويلٌ لأمّتنا إذا كان تفتيت منطقتنا وشرذمتها وتحويلها إلى دويلات طائفيّة يتناحر فيها السنّي والشيعيّ، الدرزيّ والمارونيّ... ديمقراطيّة!

كيف نعرّف الديكتاتوريّة إذًا، إنزال قنبلة نوويّة تبيدنا دفعةً واحدة كما حصل في هيروشيما وناغازاكي؟

على الأغلب يبدو أنّ مكوّنات هذه القنبلة النوويّة بدأت تتسرّب إلى داخل هذا الجسد العربيّ، وبدأت تتلذّذ بنهشه وأكله منذ الحرب على العراق، لا بل منذ بدء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وها هي تمتدّ إلى داخل لبنان من جديد. وكلّ هذا تحت عنوان ضخم اسمه توطيد المؤسّسات الديمقراطيّة ومكافحة الإرهاب.

كما سبق وذكرت العالم مبني على التناقضات والضدّ لا يظهر حسنه إلاّ الضدّ.

فلو لم تكن الديكتاتوريّة لما تعلّمنا محاسن الديمقراطيّة. وبلفتةٍ صغيرةٍ إلى التاريخ لا بدّ أن نذكر الديكتاتور النازي «هتلر» الذي لطالما اشتهر بكرهه لليهود وبمحرقته الجماعيّة لهم، والكتب شاهدة على جرائمه.

هتلر ديكتاتور لكنّه بكلمة واحدة لم يمثّل دور الديمقراطيّ أقول لم يمثّل.

أتساءل متى تنتهي هذه المسرحيّة الأميركيّة، لا بدّ أنّ سيناريوهات جديدة تحضّر خلف الستار والجمهور ينتظر، إن كانت ستبقى لديه أيد ليصفّق فقنابل الديمقراطيّة سوف تكون مسك الختام.

الاتّحاد السوفييتي وعظمته سقطا، هتلر ونفوذه سقطا، موسوليني سقط، صدّام سقط. بما أنّنا نعيش في زمن التغيّرات والتفاعلات والمفاجآت هل يمكن أن تأتي دولة تفوق أميركا وتحاول أن تزرع فيها بذور الديمقراطيّة وتعلّمها أصول العدالة والحرّيّة والاستقلال؟

إلى ذلك الحين لا بدّ أن نسهّل على هؤلاء القادة الكبار سير أعمالهم ومخطّطاتهم، لذلك أناشد الدول أن تُدخل في قواميسها مفهوم «الديموتاتوريّة».

ليس من باب التسويق لمقولة أرسطوبا لأخذ بأوساط الحلول، فكرامة الأوطان تأبى أوساط الحلول. لكن من باب جعل خطاباتهم عن الديمقراطيّة أكثر وضوحًا. فكلمة ديموتاتوريّة سوف توصل الرسالة بصورة صريحةٍ أكثر. أخيرًاً، لستُ كاتبةً عجيبةً وأدرك تمامًا أنّ الأذن تعشق قبل العين أحيانا، لذلك أردت أن يصل عنوان مقالي إلى آذان هؤلاء الكبار.

كاتبة لبنانيّة