لم يعد هنالك مجال للشك في أن الحرب التي شنتها إسرائيل منذ عام على لبنان كانت مدبرة ومخططا لها وأن الكلام الكثير الذي قيل عن اعتداء من المقاومة اللبنانية هو ذر للرماد في العيون وهو تشويه مفضوح ومدروس لأبشع هجوم إسرائيلي وحشي بامتياز ضد لبنان وشعبه الصابر الصامد.

لا جدال إطلاقا في أن الخطة الإسرائيلية فشلت فشلا ذريعا وأن كل الأهداف التي رفعتها الحكومة الإسرائيلية سقطت وتحطمت عند إقدام الصامدين في القرى اللبنانية ليس بالضرورة الصامدين وحدهم هم حملة السلاح ومطلقو الصواريخ بل هم هؤلاء البسطاء والفقراء والملتصقون بأرزاقهم ومنازلهم حتى الفداء والشهادة، لهذا فان هذه الحرب الوحشية الإسرائيلية ضد لبنان الوطن والشعب والدولة سقطت ولكن الثمن كان باهظا، فالنصر الذي تحقق لم يكن نزهة، ولم يكن أمنية تحققت بالسهولة التي يعتقدها بعض الحالمين والثرثارين في مقاهي التسلية، انه نصر جاء من رحم المعاناة وتم انتزاعه بقوة الإرادة والإيمان .

لقد رفع اولمرت منذ بداية الاعتداء على لبنان ثلاثة أهداف لحملته الوحشية، الإفراج عن الجنديين اللذين اختطفتهما المقاومة اللبنانية بعملية معقدة وجريئة في الجنوب لمبادلتهما بأسرى لبنانيين داخل السجون الصهيونية منذ أكثر من ثلاثين عاما ، وتفكيك سلاح المقاومة وحل نفسها باعتبار أنها ظاهرة إرهابية وشرعت ببناء السجون في منطقة الجليل الفلسطيني المحتل لاعتقال قادتها أو من تبقى منهم على قيد الحياة، وتتويج هذا النصر بتوقيع معاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل.

إن خيبة حكومة اولمرت في عدم تحقيق تقدم في الميدان العسكري والمواجهات مع المقاومة ادخلها في المأزق الكبير بعدما وصلت نسبة المؤيدين لها إلى اقل معدل في تاريخ الحكومات الإسرائيلية . لهذا كانت أمام حلين إما أن تستقيل من مهمتها وهذا ما كان ينبغي أن يحصل بعد تقرير لجنة فينوغراد، وإما أن تعمم المأزق على الجميع وخصوصا المقاومة وحلفائها في الداخل اللبناني وهذا ما عملت عليه بالتعاون مع حليفها الاستراتيجي وتم إقفال كل الطرق بوجه المقاومة لتعديل بعض النتائج التي افرزها العدوان الصهيوني وتشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها الجميع وتكون حصنا وطنيا لمواجهة الاستحقاقات القادمة في المنطقة.

لكن الكيديات السياسية اللبنانية أخذت منحى خطيرا أدى لإخراج المقاومة ومعها المعارضة خارج الحكومة والأخطر من ذلك أن العناد الشرس دفع بأهل الحكومة إلى إكمال نهج التفرد والدخول بمواجهة سياسية مفتوحة مع المقاومة وجمهور المقاومة وهي سابقة غير معهودة في إدارة الحكم في لبنان رغم التناقضات التي تتسم بها الساحة الداخلية اللبنانية، إذ لم يسبق أن استمرت حكومة لبنانية لا تحظى بالإجماع الداخلي من كل الأطراف وتفتقر للغطاء الدستوري،كما رفضت كل مقترح للحل تقدمت به المقاومة.

ويبقى السؤال هل أن المقاومة لو لم تقم بعملية خطف الجنديين لما قام اولمرت الوديع المسالم بحربه التدميرية ضد لبنان؟

اعتقد أن المعلومات التي كشفتها الصحافة الإسرائيلية عموما والصحافي الأميركي سايمور هيرش خصوصا بان التحضير لضرب لبنان كان يجهز له منذ عدة أشهر تنفي كل تحليل وكل تفسير ذهب إليه البعض داخل لبنان وخارجه، وهذه المعلومات التي لم تنفها إسرائيل تبقى صحيحة ودليلا دامغا على أن اولمرت الحمل الوديع هو وحش كاسر كان يفتك بالأطفال في قانا دون أن يرف له جفن وانه كان يستعد للغدر بدم بارد، بعدما قيل أن موعد الغدر الذي كان يستعد له هو في الأسبوع الثاني من رمضان وتحديدا مع موعد تناول الإفطار.

كما لا يفوتنا ما أدلى به الأستاذ محمد حسنين هيكل من معلومات لا تقل خطورة في هذا المجال عن المعلومات التي أدلى بها هيرش خصوصا في مسألة استعداد إسرائيل للبطش بلبنان وأهله بلا رحمة. المحزن والمبكي في آن معا أن يستمر الانقسام الداخلي حول هذه القضية الواضحة المعالم وتحميل المقاومة دور الاستفزاز واستدراج إسرائيل إلى حروب لحسابات دول إقليمية وحليفة في المنطقة وهذا يعتبر قمة الانتهاز السياسي. إن إسرائيل لا تفتش عن ذريعة للقتل والاعتداء ، لهذا فان نصر المقاومة ونصر لبنان ساطع لا يحتاج إلى دليل .