بدأ اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية وبروزها كقوة منتصرة في تلك الحرب وعرابة للسياسات الغربية بعد أن احتمت أوروبا بها لدرء هيمنة ألمانية كاملة على الساحة الأوروبية.

ونتيجة التغير في طبيعة الصراع الدولي فقد تزعمت الولايات المتحدة المعسكر المعادي للشيوعية وأصبح نصب أعينها تطويق الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأخرى التي دخلت في حلف وارسو مقابل حلف شمال الأطلسي الذي تشكل بين الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية.

وقد تزايد اهتمام الولايات المتحدة بالشرق الأوسط مع مرور الزمن إلى درجة كبيرة، بحيث أصبحت صياغة السياسة الخارجية الأميركية متأثرة إلى حد بعيد بالأوضاع والمصالح الغربية بشكل عام، والأميركية بشكل خاص، في هذه المنطقة من العالم.

هنالك ثلاثة أبعاد يمكن من خلالها فهم الاستراتيجية التي وضعها خبراء السياسة الأميركية في الشرق الأوسط والتي وصل الالتزام بها مستوى جعلها بمثابة عقيدة تلتزم بها الإدارات الأميركية المتعاقبة.

1. البعد الأمني، ففي مرحلة الحرب الباردة اعتبرت الولايات المتحدة حضورها المكثف في المنطقة ضرورياً لمواجهة احتمالات امتداد النفوذ السوفييتي إليها، ولكن هنالك اعتبارات أخرى لهذا الوجود لا علاقة لها بالخطر السوفييتي الذي دأبت الولايات المتحدة على التلويح به، ألا وهو إبعاد حلفائها في الحرب، بريطانيا وفرنسا، عن مواقع النفوذ في هذه المنطقة، مع العلم أن الشرق الأوسط الحديث الذي انبثق بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية، قد رسمت معالمه هاتان الدولتان.

ولا يسع المتابع للأحداث إلا الاستنتاج بأن إبعاد بريطانيا وفرنسا عن مواقع النفوذ في الشرق الأوسط لم يكن في رأي الساسة الأميركان أقل أهمية من اتقاء الخطر السوفييتي. فهنالك موقف جدير بالتمعن يؤكد ما نذهب إليه، ففي عام 1956 إبان رئاسة دوايت آيزنهاور للولايات المتحدة، أذلت إدارته حليفتيها بريطانيا وفرنسا، اللتين تحالفتا مع إسرائيل لشن الحرب على مصر إثر تأميم الأخيرة لقناة السويس، بالامتناع عن توفير غطاء لغزوهما قناة السويس وإرغامهما تحت الضغوط الدولية على الانسحاب دون تحقيق أي مكسب. وفي هذا الموقف وجهت الولايات المتحدة، وهي تدخل بقوة إلى الشرق الأوسط، رسالتين مهمتين، الأولى موجهة للعرب مفادها أن الولايات المتحدة لا تعادي طموحاتهم، والثانية موجهة إلى إسرائيل مفادها أن الدور التاريخي للدولتين اللتين أسهمتا في صنعها، بريطانيا وفرنسا، قد انتهى.

إلا أن انتهاء الحرب الباردة لم ينه شهية الولايات المتحدة وطموحاتها في الشرق الأوسط، فلم يكن الخطر السوفييتي هو السبب الأكثر أهمية في دخولها إلى هذه المنطقة. فمع أن الرؤساء الأميركيين الثلاثة الذين شهدت فترة رئاستهم انتهاء الحرب الباردة، بوش الأب وكلينتون وبوش الابن، تتباين أساليب عملهم بعض الشيء، إلا أنهم يشتركون جميعاً في الالتزام باستمرارية الوجود الأميركي في المنطقة، رغم ما يفرضه هذا الوجود من ضغوط كبيرة على الخزانة الأميركية مقابل القليل من المكاسب.

2. البعد الاقتصادي، فمع أن الولايات المتحدة لا تستورد من نفط الشرق الأوسط سوى 4% من استيراداتها النفطية البالغة 60% من حاجاتها الكلية، إلا أنها ترى بأن الهيمنة على مصادر الطاقة في العالم في منتهى الحساسية للرفاه الأميركي، ولمستقبلها كقوة عظمى وحيدة في العالم، وأن ذلك لا يتحقق إلا بوجود أميركي فاعل في المنطقة التي تحتوي على خزين محقق قدره 727 مليار برميل، وهو ما يزيد على نصف الخزين النفطي في العالم، فدور الشركات الأميركية في نفط الشرق الأوسط في تعاظم مستمر منذ دخولها لأول مرة عام 1928.

إن الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لتحويل الخليج العربي إلى محمية أميركية عسكرية قد برهن على أنه خيار سيئ بالنسبة لدافعي الضرائب الأميركان. فالسياسات الأميركية في الشرق الأوسط قد أسهمت في زعزعة الاستقرار فيه ولم تؤد إلى استقرار أسعار النفط وإنما إلى ارتفاعها، وتحملت هي وحلفاءها في أوروبا واليابان دفع الفواتير الإضافية. وإذا أضفنا إلى ذلك الكلفة المادية للوجود العسكري الأميركي في المنطقة الذي يقدره خبراء البنتاغون، في ظروف عدم وجود عمليات عسكرية، بما يقرب من 40 مليار دولار سنوياً، ناهيك عن الخسائر في الأرواح، نرى بأن المستفيد من ذلك هو الدول النفطية نفسها وليس الولايات المتحدة.

3. البعد الإسرائيلي، إذ تلتزم الولايات المتحدة بالحفاظ على أمن إسرائيل وسلامتها، إلا أن الأخيرة لا تجد غضاضة في إحراج راعيتها، فقد أعارت آذاناً صماء للدعوات المتكررة لعدة إدارات أميركية بالتوقف عن بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية، وهذا في الحقيقة يستوجب التساؤل حول ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة في ضغوطها على إسرائيل لحل النزاع العربي الإسرائيلي، خاصة أن جميع الأنشطة التفاوضية التي رعتها الولايات المتحدة، ابتداء بالزيارات المكوكية التي قام بها هنري كيسنجر في سبعينيات القرن المنصرم وانتهاء بالزيارات المكوكية التي تقوم بها كوندوليزا رايس حالياً، ومن أوسلو إلى مدريد، ومن تفاهمات ميتشل وحتى تفاهمات تينيت، لم تجعل الطريق سالكاً أمام الفرقاء المعنيين نحو مائدة حوار جدي.

هنالك سببان قويان قد يدفعان الولايات المتحدة لإعادة النظر باستراتيجيتها في الشرق الأوسط:

1. بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لم يعد من الممكن إنكار أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط أصبحت مكلفة جداً، وأن الاستمرار في انتهاج سياسة الهيمنة قد يقود إلى المزيد من الضغوط على الموارد المالية الأميركية ويترك آثاراً سلبية واضحة المعالم على مستوى دخل الفرد الأميركي. وقد زاد الطين بلة توجهات الرئيس بوش وتبرعه بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، مما أضاف المزيد من الأعباء على الخزينة الأميركية وقلل من فرص القدرة على الاستمرار في نفس السياسة.

2. ضرورة الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع الحلفاء في أوروبا لمواجهة واقع دولي جديد قد يفرض معادلات توازن جديدة، فاستمرار الولايات المتحدة في عنجهيتها سيقودها لا محالة إلى مواجهة مع الدول الأوروبية في المستقبل حول الشرق الأوسط، إذ ليس من المستبعد في ظل سياساتها المتشنجة أن يزداد عدد الدول الأوروبية التي تسند محور برلين ـ باريس. إلا أنه ليس من المحتمل في وقت قريب أن يحدث ذلك، فالأوروبيون لا يزال أمامهم الكثير من الوقت كي تتوحد سياستهم الخارجية وكي يصلوا إلى تفاهم حول الدستور الأوروبي الذي لقي معارضة في هولندا وفرنسا. فالاتحاد الأوروبي لا يزال من الناحيتين السياسية والعسكرية ضعيفاً أمام الولايات المتحدة رغم أنه مقارب، وربما متفوق عليها في قدرته الاقتصادية.

يستطيع الأوروبيون تسديد ضربات قوية للسياسة الأميركية، وذلك بالتخلي كلياً عن تحمل أي من تبعات هذه السياسة، عندها تواجه الولايات المتحدة الفواتير التي ينبغي أن تسدد ثمنها لوحدها، كما يحدث الآن في العراق.

لا شك أن مخططي السياسة الأميركية على إطلاع لما قد تفضي إليه سياساتهم في نهاية المطاف، إلا أنهم لا يرون بديلاً أفضل منها للمصالح الغربية، فهم غير راغبين في ترك الشرق الأوسط ليستقر على توازناته التي حُرمت منها دوله بسبب الوجود الأميركي على مدى عشرات السنين. ولا نجانب الصواب إذا ذكرنا بأن الصراع العربي الإسرائيلي الذي يهدد أمن المنطقة منذ أكثر من نصف قرن، سوف يتمخض عن نتيجة أفضل إذا رفعت الولايات المتحدة يدها عن هذا الملف.

الشرق الأوسط مقبرة التوقعات الكبيرة، هذا ما يراه بعض الأكاديميين الأميركيين، فهل سيأتي اليوم، وهو ما يأمل فيه الكثيرون، الذي يصبح فيه راسمو السياسة الأميركية أكثر واقعية وأكثر ميلاً لقبول توقعات أصغر حجماً، ليصبح بلدهم أقل انغماساً في وحوله؟

إن أفضل مستقبل للشرق الأوسط هو ما ترغب فيه دوله، حين تصبح هذه الدول أقل رغبة في عقد اتفاقيات أمنية مع دولة عظمى، وأكثر رغبة في حل مشاكلها بنفسها وفق القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة.

majamal@emirates.net.ae

كاتب عراقي