تداخلت السياسة والرياضة في المنافسة الشديدة التي أجريت الأسبوع الماضي في جواتيمالا لاختيار المدينة التي ستستضيف دورة الألعاب الأولمبية الشتوية رقم 22 في عام 2014، والتي تنافست عليها ثلاث مدن هي النمساوية سالزبورج والكورية الجنوبية بيون تشانج والروسية سوتشي، وقد تطلع الشعب الروسي بشدة لهذا الأولمبياد بعد أكثر من ربع قرن لم تنظم فيها روسيا أولمبياداً دولياً منذ أولمبياد موسكو عام 1980.

وكان حماس الرئيس الروسي بوتين للفوز بهذا الأولمبياد كبيراً جداً ليكلل به نهاية حكمه في الكريملين بعد ثماني سنوات من الإنجازات الكبيرة التي جعلت الشعب الروسي يتمنى لو يتغير الدستور ليعطي بوتين الحق في فترة رئاسة ثالثة ليستكمل مشوار إنجازاته، ولكن بوتين يرفض تماما تشويه إنجازاته بتعديل الدستور ويصمم على الخروج من الحكم بهذه الشعبية الكاسحة والسمعة الطيبة التي لم يحققها أحد من زعماء العصر الحاضر في روسيا.

توجه بوتين فور انتهائه من لقائه بالرئيس الأميركي بوش في ولاية مين الأميركية مباشرة إلى جواتيمالا، وفور وصوله إليها توجه إلى الفندق الذي تجتمع فيه اللجنة الأولمبية الدولية، خاصة وأنه نما لعلم الروس أن هناك دعاية مضادة لترشيح المدينة الروسية تستند إلى عوامل سياسية ودعايات من رواسب الحرب الباردة تقول إن روسيا بلد غير ديمقراطي وغير مستقر أمنيا.

ولهذا قرر بوتين أن يلتقي مع أعضاء اللجنة الأولمبية الدولية المكونة من أكثر من مئة عضو سيصوتون على اختيار المدينة، وقضى بوتين ساعات طويلة على مدى يومين يعرض عليهم مميزات المدينة الروسية «سوتشي»، وعرض عليهم مستوى الاستعداد والأمن في المدينة.

ونزل الشعب الروسي في الميادين في منتصف الليل ينتظر نتيجة التصويت التي كانت تجري في جواتيمالا صباحا حسب فروق التوقيت، وكم هو صعب أن يمتزج الحلم الكبير بالأمل الضعيف، فالروس بطبيعتهم يشعرون أن الدعاية الغربية ضدهم تجعل الكثيرين في العالم يفهمونهم بشكل خطأ رغم أنهم على ثقة عالية بأنفسهم وبأنهم أفضل بكثير من منافسيهم، ولكن للأسف كثيرا ما تعوق السياسة تحقيق الكثير من الطموحات والأحلام حتى الرياضية منها.

وتعلقت قلوب الشعب الروسي عندما بدأ رئيس اللجنة الأولمبية في إعلان النتيجة لتخرج مدينة سالزبورج النمساوية من المنافسة وتدخل سوتشى الروسية مع بيونج تشانج الكورية في منافسة حادة في الدور الثاني، وكانت المدينة الكورية متفوقة بثلاثة أصوات على الروسية في الدور الأول مما زاد من قلق وتوتر الروس،.

وفي الثالثة صباحا بتوقيت موسكو ومئات الآلاف من الروس يتجمعون في ميادين العشرات من المدن الروسية أعلنت النتيجة لتفوز «سوتشي» الروسية بفارق أربعة أصوات على المدينة الكورية الجنوبية، لتشتعل الفرحة والبهجة في روسيا ويهتف الناس في كل الميادين «بوتين.. بوتين»، إنهم يعلمون أن حماس رئيسهم وحرصه الشديد على إسعاد شعبه، وسفره لجواتيمالا والجهد الذي بذله في لقاءاته مع أعضاء اللجنة الأوليمبية لإقناعهم، كان كل ذلك وراء الفوز باستضافة الأولمبياد، ولو لم يسافر بوتين لربما ما فازت روسيا.

وكما قال نائب رئيس اللجنة الأولمبية الدولية توماس باخ بعد إعلان النتيجة «ليس لروسيا ذنب في عدم قدوم زعماء الدول الأخرى المنافسة إلى جواتيمالا من أجل الدعاية والترويج لبلادهم مثلما فعل الرئيس بوتين»، وقال عضو اللجنة الأولمبية أمير موناكو ألبيرت «إن الرئيس بوتين بجاذبيته وشعبيته الكبيرة سحر الكثيرين من أعضاء اللجنة بجمال مدينته قبل أن يصوتوا لها».

لم يكن الشعب الروسي يعرف أو يتوقع أن بوتين سيتوجه من الولايات المتحدة إلى جواتيمالا مباشرة، ولم يكن أحد يتوقع منه أن يبذل هذا الجهد الكبير ولساعات طويلة على مدى يومين كاملين، إنه بحق قائد يستحق حب شعبه وتمسكه به والتفافه حوله.

فوز روسيا باستضافة الأولمبياد يحمل معاني سياسية واقتصادية كثيرة، فهو دليل على تغير سمعة روسيا على الساحة الدولية للأحسن، ودليل على الاستقرار والأمن في عهد بوتين، ودليل على قدرة روسيا وإمكانياتها لاستضافة فعاليات دولية كبيرة، وكل هذه مجتمعة عوامل جاذبة للاستثمارات الأجنبية وللسياحة ينسب الشعب الفضل فيها لرئيسه الوطني المخلص بوتين.

elmoghazy@hotmail.com