قال الشافعي ـ رحمه الله ـ قبل عدة قرون خلت: «رأيي خطأ يحتمل الصواب، ورأي غيري صواب يحتمل الخطأ»، ولكن يبدو أن مقلوب هذه المقولة هو الذي يمثل طريقة تفكير عدد كبير من الناس في هذا العصر، دون أن أبرئ نفسي منهم، سواء بوعي أو دون وعي، حتى أصبحنا نعيش حياتنا وكأننا ـ أو معظمنا ـ نرفع شعار «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب» في كل حركاتنا وسكناتنا، وهذا ما يمثل أحادية في التفكير تكاد تنتشر خَلَلَ علاقاتنا الأسرية والاجتماعية والوظيفية، حتى يوشك أن يكون لها ضرام.
وتبدو أحادية التفكير بمثابة النار الحارقة، لأنها تقضي على أشياء كثيرة، منها العلاقات الإنسانية، ومنها الرغبة في التفاعل والمشاركة ـ في أي شأن من شؤون الحياة ـ كما من شأنها أن تقضي على الإبداع في مستوياته ومجالاته المختلفة، لأنها تحرك المحيط كله بفكر واحد، قد يكون هذا الفكر قديما، أو متجمدا عند زمن ما، أو متيبسا لم تجر في قنواته مياه جديدة منذ ذلك الزمن. كما قد يكون هذا الفكر صالحا لبيئة مكانية مختلفة، وغير صالح لغيرها.
ومحاولة البحث في منطلقات أحادية التفكير قادتني إلى سببين رئيسيين على الأقل: الأول هو العصبية العمياء، والثاني هو الاتكاء على ثنائية الصواب والخطأ؛ فالعصبية ـ بمعنى التعصب ـ لتوجه سياسي أو فكري أو قبلي أو ديني أو غير ذلك من شأنه أن يحرك الإنسان للدفاع باستماتة عن وجهة نظره، مع رفض غيرها من وجهات النظر الأخرى المحتملة، لأنه ينطلق من اعتقاد راسخ بأنه يحمل الحقيقة بين ضلوعه، وأنه مكلف بأن يوصلها إلى الآخرين، إما لتعريفهم بالحقيقة ـ كما يراها هو ـ أو لإنقاذهم من براثن الجهل، أو لأسباب أخرى يفرضها عليه تعصبه لما يؤمن به.
وإحساس بعض الناس ـ الذي يوشك أن يكون يقينا ـ بأنه رب الحقيقة ومالكها، وأن غيره مفتقر إلى ما لديه من معلومات يصعب تثمينها، يجعله يتفاجأ أحيانا بعكس ما يتوقعه، حين يدخل في نقاش مع الآخرين ويكتشف أن لكل منهم حقائقه الخاصة، وأنه مستغن بما لديه عما عنده هو، فيعجز عن تقبل هذا للقناعة المتأصلة في نفسه بأن الحقيقة فقط هي الموجودة لديه، وكل ما عداها زيف وباطل، ولا يستحق عناء التعب من أجله!
ومن الطبيعي أن يترتب على هذا معاناة الطرف الآخر في محاولة إقناع الأول بأنه مختلف عنه، وأن من حقه أن يعبر عن اختلافه، ولكن كثيرا من المحاولات تبوء بالفشل أمام صلابة بعض الأشخاص في التمسك بآرائهم دون وجه حق، إذ يغتصبون حقوق الآخرين في التعبير عن أنفسهم وآرائهم.. يعاني من مثل هذا السلوك الابن مع والده، والطالب مع أستاذه، والموظف مع مديره، وأي مرؤوس مع رئيسه، فيقف هذا عائقا أمام دفء العلاقات الإنسانية التي يجب أن تسود في أجواء الأسرة، والعمل، وغير ذلك.
وفي الوقت ذاته لا يمكن فصل أحادية التفكير عن ثنائية الصواب والخطأ، بل إن هذه الثنائية قد تكون المحرك الأساسي للفكر الأحادي، لأن معظم من يتصفون بهذه الصفة يعتقدون دائما أنهم على صواب، وغيرهم على خطأ، ولعل هذا هو ما يجعل مقولة الشافعي غير منسجمة بشكل كلي مع سلوكياتنا في هذا العصر.
ولا يعني هذا أن من يعتقد أنه على صواب مخطئ دائما، أو أنه شخص مرفوض اجتماعيا، بل على العكس من ذلك، يجب على الإنسان أن يكون واثقا في نفسه، ومن آرائه وتوجهاته، وأن يعرضها أمام الآخرين بحسب درجة اقتناعه بها، بل وعليه أن يحاول أن ينقل اقتناعه بها لهم، لكن دون أن يتحول الإقناع إلى فرض وأمر، ودون أن يتبنى مقلوب مقولة الشافعي ويجعلها له شعارا، والأهم من هذا هو ألا يقوم في تصوره أن صوابه تام، وخطأ غيره تام أيضا، وعليه أن يدرك تماما أن صوابه لا يعني خطأ الآخرين، فالحياة تتسع لعدة آراء مختلفة دون أن يختلّ في نظامها شيء.
وتتجلى مظاهر الأحادية في التفكير في سلوك كثير من الأفراد، على جميع المستويات، كالعلاقات الأسرية، والاجتماعية، وعلاقات العمل، والتعليم، وغير ذلك، ربما لجهل كثيرين منا بالحدود الدقيقة الفاصلة بين الإقناع والفرض، وقد تغيب على بعضنا أهمية احترام قناعات الآخرين، وعدم المساس بها تحت أي ظرف، وباستخدام أي سلطة.
ومن المظاهر السلبية لأحادية التفكير في نطاق الأسرة، على سبيل المثال، عدم وجود قنوات تواصل ثنائية الاتجاه بين الوالدين وأبنائهما، إذ يعتقد كثير من الآباء والأمهات أنهم أصحاب الحق في تقرير مصائر أبنائهم، لأنهم يعرفون ما ينفعهم وما يضرهم، وبالتالي يعطون أنفسهم صلاحية التدخل في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بأبنائهم.
وهذا يضعف جانب التماسك الأسري، ويجعل الوسط الأسري خانقا وغير مريح. كما قد تبدو أحادية التفكير على المستوى الأسري أيضاً في تفرد أحد الزوجين في تسيير شؤون الأسرة، وعدم السماح للطرف الآخر بالتدخل أو إبداء الرأي، ويترتب على هذا تحرك مركب الأسرة بحسب رغبة الطرف الأقوى فيها، مع تجاهل رغبات الطرف الآخر في مسائل قد تكون مصيرية بالنسبة له.
وعلى مستوى التعليم، نجد الطلاب في كثير من النظم التعليمية يعانون من أحادية معلميهم في التفكير وفي النظر إلى بعض القضايا التربوية والأكاديمية. ولا يختلف الأمر من مرحلة تعليمية إلى أخرى، بل ربما ازدادت حدة أحادية التفكير كلما ازدادت الخبرة التدريسية لبعض المعلمين، وربما تكرّس لدى كبار الأسماء من الأساتذة شعورهم بصواب آرائهم ومذاهبهم الفكرية كلما ارتقوا في سلم الدرجة الوظيفية أكثر، وبطل مفعول الدرجة العلمية تبعا لمتطلبات بعض الدرجات الوظيفية.
ويحدث أن تؤثر أحادية التفكير سلباً على مستوى الإنتاج في علاقات العمل، إذ يتسبب تسلط المدير أو انفراده بآرائه في تسيير العمل بضعف مستوى الإنتاج، لأن الموظفين يفقدون حماسهم للعمل حين لا يجدون مساحة يشاركون من خلالها في سيرورته، ويمكنهم بواسطته عرض آرائهم وإبداء وجهات نظرهم حتى إن خالفت وجهة نظر المدير، مما يسيّر العمل بوتيرة واحدة، دون أدنى قدرة على الإبداع والابتكار في أجواء لا تشجع عليهما.
إن الثقة بالنفس، والاعتداد بالرأي، والدفاع عن المعتقدات ووجهات النظر أمور محمودة، لكن يجب ألا تتجاوز حدود الاعتدال، وألا تعني إلغاء الآخرين، وتسفيه وجهات نظرهم، أو التقليل من قيمة معتقداتهم وآرائهم، أو محاولة إثبات خطأ ما يذهبون إليه ثم إقناعهم بصحة ما نذهب إليه، بل يجب أن يمتلك كل منا القدرة على تقبل الآخر كما هو، بكل اختلافاته عنا.
وبكل المساحات غير المشتركة الموجودة بيننا وبينه، وأن ندرك أن هذا الاختلاف هو سر سيرورة الحياة، وسر تجددها، لأن تشابهنا واشتراكنا في كل شيء سيصبغ الحياة بلون رمادي باهت، ويفقدها ألوانها التي تكتسبها بالتجدد والاختلاف، مع الإشارة إلى أن الآخر ليس من الضروري أن يكون شخصا غريبا، أو أجنبيا، لا يمتّ لنا بصلة، بل من الممكن أن يكون أخي الذي يعيش معي في المنزل نفسه وشاركني في معظم المصادر التي حصّلت من خلالها على مخزوني العلمي والثقافي.
ولكنه ليس نسخة مني ولا أنا نسخة منه، أو يمكن أن يكون الآخر جاري الذي لا تفصل منزله عن منزلي سوى بضع خطوات ويشترك معي منذ سنوات طويلة في أمور كثيرة بحكم الجيرة، ولكنه لا يشبهني فكريا ولا أشبهه. كما يمكن أن يكون الآخر زميل الدراسة الذي يشاطرني قاعة الدرس نفسها، ويسمع معي المعلومات ذاتها التي أسمعها فيستوعبها هو بطريقته، وأستوعبها أنا بطريقتي، ويجب علي أن أحترم طريقته في التفكير والاستيعاب ومعالجة الأمور كي أطالبه باحترام طريقتي في كل ذلك..
إن احترام الاختلاف هذا هو ما سيؤدي إلى إنشاء مجتمعات مفتوحة الآفاق، يقدم أفرادها آراءهم ويتقبلون آراء الآخرين، بشرط أن يصبح هذا طبعا أصيلا لدينا، لا مجرد كلام نردده نظريا، ونفشل في تحقيقه عملياً.
جامعة الإمارات