عندما كانت ميديا الأخبار تحمل أخبار اجتماع على مستوى القمة بين قادة أميركا وروسيا، كان العالم يحبس أنفاسه أو يكاد، من أجل متابعة مثل هذا الحدث الخطير، ومن ثم يتخذ المحللون والمراقبون استعداداتهم لتلقف نتائج القمة كي يضعوها على موازين التقييم والتوقّع والحساب.
ولكن كان ذلك كله ينتمي إلى زمان مضى.. هو تلك الحقبة التي بدأت مثلا باجتماعات يالطا التي جمعت بين الثلاثي روزفلت الأميركي وتشرشل الانجليزي وجوزيف ستالين الروسي وبعدها توالت مثل هذه الاجتماعات أو اللقاءات على مستوى القمة أيضا..
فيما كان يتابع العالم كل وقائعها، على مستوى أدق التفاصيل، ما بين قمة خروشوف ـ آيزنهاور في باريس ـ إلى قمة رونالد ريجان ـ جورباتشوف في أيسلندا.. وما بينهما كانت الاجتماعات السوبر ـ مهمة التي جمعت نيكسون وبريجنيف وأثمرت ما عرفه العالم منذ عقد السبعينات بأنه «سياسة الوفاق» بين معسكري الشرق (السوفييتي) والغرب (الرأسمالي) في ذلك الزمان.
يبدو أن هذا النمط من المتابعة الدقيقة من جانب العالم قد آذن إلى نهايته.. ورغم ما تحقق من منجزات شبه مذهلة في تقدّم الإعلام الدولي، من حيث الوسيلة والرسالة الإعلامية ـ إلا أن سكان الكرة الأرضية لم يعد لديهم ذلك الشغف القديم بمتابعة لقاءات واجتماعات ومحادثات القادة الكبار في عالم اليوم. وآخر هذه اللقاءات هو ذلك الذي تم بالأمس القريب بين رئيسي كل من روسيا (فلاديمير بوتين) والولايات المتحدة (جورج دبليو بوش).
زمان كانت أخبار هذه اللقاءات تحتل أكبر عناوين الصفحة الأولى في كبريات الصحف العالمية، لكن ها نحن نقلّب صفحات العدد الصادر من «نيويورك تايمز» بتاريخ الاثنين، الثاني من يوليو الحالي، وإذا بأخبار القمة إن جازت هذه التسمية بين بوتين وبوش وقد صدر عليها قرار بالنفي الإعلامي والتهميش السياسي..
حيث لم تحظ سوى بربع مساحة الصفحة الثامنة من عدد التايمز المذكور وتحت عنوان أقرب إلى أبواب الاجتماعيات، فلا مادة سياسية ولا دلالة عالمية ولا إيحاء بأي تغير لموازين القوى، وإنما الخبر مفاده أن سيدا اسمه فلاديمير بوتين وصل الى عاصمة ولاية مين الأميركية ذات الاسم المعقّد ـ كنبكبورت ـ في زيارة ليومين يمضيهما مع آل بوش. أما إشارة الخبر فهي تحيط القارئ الملول علما بأخبار قائمة الطعام التي تناولها الضيف والمضيفون ومحورها مأكولات بحرية.. و .. ربما بالإضافة إلى بعض القضايا ذات الوزن.. والأهمية على نحو ما استطردت «التايمز» في إيقاع من السخرية لا يخفى على قارئها العادي بحال من الأحوال.
وعندنا أن هذا التحجيم الذي اعترى أهمية لقاءات القمة إنما يرجع إلى عوامل سياسية ترتبط أولا بنوعية القضايا المطروحة حاليا على مسرح أحداث العالم.. وفي مقدمتها اشتعال منطقة الشرق الأوسط بأكثر من بؤرة صراع ملتهبة في غزة والضفة وفي لبنان والعراق، فضلا عن حالة التوتر المنذرة بخطر مواجهة محدقة بين إيران والغرب عامة وبأميركا على نحو خاص.. وتلك بدورها قضية كانت مطروحة على جدول أعمال تناولته القمة الأخيرة حيث توقع المراقبون أن الرئيس الأميركي قد طلب من ضيفه الروسي التعاون من أجل تصعيد العقوبات الدولية المفروضة حاليا على طهران ولكن دون الدخول في تفاصيل هذا التعاون بين موسكو وواشنطن.
على الجانب الروسي لا يزال رئيس الكرملين مشغولا بحسابات من يخلفه في قيادة روسيا، ولا تزال الساحة الروسية مشوبة بقلق بالغ إزاء قضية الشيشان التي لم تجد تسوية عادلة لها حتى الآن.. ولا تزال تيارات الفساد المالي وأنشطة الجريمة المنظمة (المافيا الروسية) تكبح محاولات روسيا أن تقطع أشواطا الى الأمام بعيدا عن التراث السوفييتي المثقل بالهموم، وأيضا عن تركة الدمار النفسي والمادي ـ الاقتصادي بالذات التي خلفتها حقبة يلتسين التي شهدها عقد التسعينات.
وفيما بدأت روسيا مسيرة انتعاش بفضل استقرار الصناعات النفطية استخراجا ونقلا وتصديرا فقد أعاق هذه المسيرة مخططات الغرب (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في إطار المحالفة العسكرية الأطلسية) وهي مخططات تقضي، كما هو معروف، بوضع قواعد للصواريخ في وسط أوروبا، وبصورة تهدد الكيان الروسي ذاته، وخاصة على مستوى التهديد المعنوي المفضي إلى تآكل المكانة النسبية التي جهد الرئيس بوتين في بنائها أو محاولة تدعيمها لصالح موسكو في السنوات الأخيرة.
لم يكن غريبا إذن أن يتسامع العالم بتصريحات بوتين في مطالع العام الحالي التي اتهم فيها أميركا بأنها «تستخدم أساليب الاستعمار الامبريالي» في تعاملها مع الفرقاء، وهي تهمة لا تسيغها أعراف الأدبيات السياسية الأميركية وكان جديرا بإدارة واشنطن أن تكيل إزاءها الصاع صاعين كما يقولون لولا أنها أدركت، أو أدرك بعض العقلاء من ساستها، أن واشنطن نفسها بحاجة إلى جهد روسي ما..
أو همزة وصل من جانب الكرملين ليتولى أمر الوساطة أو التواصل بين أميركا وإيران سواء فيما يتعلق بمشاريع طهران النووية أو بالدور الإيراني الملموس في ساحة العراق الذي أصبح الشغل الشاغل للرئيس بوش لدرجة أن تنقل «الواشنطن بوست» عن لفيف من أصدقاء الرئيس الأميركي ومستشاريه أن العراق بات أقرب إلى هاجس الفكرة الثابتة التي ملكت على السيد بوش اهتماماته ولذلك يستعيد الرجل قضية العراق ومشكلات أميركا فيه ضمن سياق كل حوار يضمه مع أطراف أخرى.
ومن المعروف من تقاليد السياسة ـ الرئاسية ـ الأميركية أن السنة الأخيرة من ولاية رئيس الدولة (الرابعة في حالة رئيس الولاية الواحدة مثل كارتر أو بوش الأب أو الثامنة في حالة رئيس الولايتين مثل كلينتون وبوش الابن) هي سنة البطة العرجاء أي رئيس الدولة الذي يتعيّن عليه أن يكتفي بالقرارات ذات الأبعاد المحدودة والآجال القصيرة المدى.. فيما عليه أن يركز في الوقت نفسه على ميراثه أو تركته السياسية أو هي الوصية التي يخلفها في دفتر التاريخ. وقصارى الرئيس الأميركي في هذه الحالة أن يتدارس أمر مكتبته التذكارية المقرر أن يودعها وثائق ولايته وما قد يتصل بها من هدايا ورموز ومستندات.
عادة يعيش رؤساء الربع الأخير من الولاية فيما يشبه أوكار العزلة عن الأحداث حيث ينصبّ معظم التركيز على مواريث الحقبة الرئاسية بالسلب أو الإيجاب.. لكن ها هو البروفيسور أروين سلتر من معهد هدسون للبحوث يحكي عن لقاءاته مع السيد بوش قائلا: أن الرئيس الأميركي لا يعاني من عقلية الوكر أو عزلة الحصار.. ثم يضيف هذا الباحث قائلا: وهذا أمر غير معهود ويرجع إما إلى ثقة استثنائية في النفس أو الى أن الرجل فقد القدرة على ملامسة واقع الأحوال.. ولا أستطيع أن أحدد أي الأمرين هو الصحيح.
من ناحية أخرى يعلق الكاتب الأميركي بيتر بيكر (واشنطن بوست، عدد 2/7) قائلا:
ـ إن واقع الأحوال خطير بكل المقاييس، فما من رئيس في العصر الحديث شهد كما شهد السيد بوش رفضا متواصلا لا ينقطع من جانب عامة الأميركيين. ومنذ هبط التأييد الشعبي للسيد بوش الى نسبة 50 في المائة في يناير 2005 فلم تعد هذه النسبة الى أي ارتفاع على مدار الأشهر الثلاثين المنقضية. وحتى نيكسون الذي نددت به قضية ووترجيت لم تهبط شعبيته إلى ما دون الخمسين في المائة، خاصة وأن الرئيس بوش يواجه باستمرار سلسلة لا تنقطع، على نحو ما يعبر بيكر، من الأخبار السيئة التي يعددها الكاتب الأميركي:
ما بين سوء التصدي لإعصار كاترينا.. الى سيطرة نائب الرئيس تشيني على مقاليد الأمور، الى قضية ابراموف التي كشفت تحكم اللوبي والمصالح اليهودية في كبار أعضاء الكونجرس من الحزب الجمهوري، الى هزيمة حزب الرئيس نفسه في انتخابات نوفمبر الماضي لصالح المنافسين الديمقراطيين الذين سيطروا على مجلس النواب، الى أزمات متلاحقة ومستحكمة بين البرلمان والمدعي العام ـ وزير العدل جونز أليس المتهم بسوء الإدارة، الى قضية الفساد في صندوق النقد الدولي التي أفضت الى استقالة فولفويتز ـ الذي يعد من أعمدة عصبة المحافظين الجدد التي حملت أفكارها وطروحاتها ومخططاتها ونفوذها السيد بوش نفسه من مكتب حاكم تكساس الإقليمي الى المكتب البيضاوي في البيت الرئاسي الأبيض ـ دع عنك أن فولفويتز كما تقول معلومات واشنطن، هو المهندس الحقيقي الذي خطط لغزو ـ ورطة العراق إذ كان نائبا لوزير الدفاع المستقيل أيضا رامسفيلد..
وكانت آخر حلقة في مسلسل الأزمات الرئاسية هي العفو عن سكوتر لبّي مساعد تشيني بعد إدانته قضائيا بشهادة الزور مما أثار عاصفة من النقد في كل الاتجاهات. في نفس السياق يفاجئنا الكاتب بيتر بيكر حين ينبّه قائلا: إن ضلوع أميركا في حرب العراق استغرق الآن فترة أطول من مشاركة أميركا في الحرب العالمية الثانية.
وثمة قلم أميركي آخر هو قلم الكاتبة «كارلا آن روبنز» التي علقت من نفس الزاوية على لقاء قمة بوتين ـ بوش الذي لم يأبه به احد كما ألمحنا فتقول (نيويورك تايمز، عدد 2/7): إن توازن القوى قد تغير هذه الأيام بين الطرفين.. موسكو أصبح جيبها عامرا بأموال البترول ـ بينما واشنطن أصابها الضعف من جراء الحرب الكارثية في العراق.
تلاحظ أيضا أن حرب العراق ـ على نحو ما تضيف التايمز ـ أفسدت على جو اجتماع بوش ـ بوتين أبعاد الهدوء الذي حاول الرئيس بوش ـ الأب وعقيلته باربرا، السيدة الأولى سابقا، إضفاءه على تلك الضيافة التي تمت في دارهم الأنيقة المطلة على مياه المحيط، كتبت النيويورك تايمز تقول:
ـ كان ثمة مشهد آخر بعيد عن جو السكينة المخيم على المكان أما مسرحه فكان شوارع البلدة الصغيرة.. حيث تجمع المئات من المتظاهرين الذين تدفقت جموعهم في مسيرة بلغت آخر حواجز الشرطة المحيطة بمكان اللقاء الرئاسي (الروسي ـ الأميركي) وكانوا يحملون لافتات كتبوا عليها شعار «أوقفوا حرب العراق»®. ولافتات أخرى تندد بالرئيس بوش بعبارات جارحة وتطالب بمحاكمته وعزله من منصبه الرفيع.
كاتب مصري