ابتليت مؤسساتنا التعليمية والتربوية بأناس ليسوا مؤهلين أبداً لتكوين جيل جديد، بل أصيبت المناهج الدراسية بجملة من التشوهات والرزايا لخمسين سنة مضت، وبدأت اليوم، تنتج ثمارها المرة، ناهيكم عن التقاليد الرثة التي نقلت الجيل الجديد من خصب التفكير والإبداع إلى طرق التقليد والاتباع.
لقد كانت المناهج التربوية قبل خمسين سنة مؤهلة لصناعة أجيال حيوية وفعالة ومنفتحة لمشاركة العالم إبداعاته وتطوراته المذهلة، ولكن ثمة انقلابات سيئة قلبت الموازين ظهراً على عقب، وأضحت كل مسارب التقدم مسدودة مما أنتج إخفاقات لا أول لها ولا آخر.
ولم يقتصر الأمر على المدارس، بل انتقلت العدوى إلى الجامعات التي غدت مجرد مدارس مفرغة من التقاليد الأكاديمية ومحشوة بركام من التدريسيين الذين لا يفقهون إسرار هذا العصر، ولا بكيفية تأهيل قوى المستقبل البشرية.. إنهم لا يعرفون غير تلقين تلاميذهم وطلابهم النصوص والعناوين بلا أي فلسفة أو منهج أو خطط متطورة لصناعة المستقبل.
لقد شهدت بنفسي جملة من المآسي في دواخل مدارس وجامعات عربية بحكم انتقالي في أكثر من بلد عربي.. التقيت بمعلمين ومعلمات وبمدرسين ومدرسات لا كفوئين ولا كفؤات.. وجدتهم متعصبين ومتعصبّات لا يعرفون أسس المعرفة التربوية ولا الأساليب البيداغوجية سواء كانوا في مدارس حكومية أم أهلية.. وجدتهم يمزجون بين مبادئ المعرفة وهول الأوهام ووجدتهم يقسرون الأطفال الصغار وحتى الشباب على الممانعة والكبت وزرع الرعب عندهم..
وجدتهم يلعبون بعقولهم، ويعلموهم التمييز والتحريض على الكراهية.. وجدتهم يزرعون الأحقاد في قلوبهم.. ويباركون الإرهاب والحض على قتل الإنسان.. وجدتهم يحرفون النصوص ليسوقونها بما يتلاءم وتفكيرهم الخطير.. وجدتهم لا يعرفون من دين الله إلا احتقارهم لغير المسلمين بل وجعلهم أبناء قردة وخنازير..
وجدتهم يؤكدون على كل سلبيات التاريخ في التفرقة والتشظي والانقسام من دون التعلق بالايجابيات وشحن العواطف بها والتعلّم منها.. وجدتهم يرسخون عفونات الواقع وكل موبقاته وانغلاقاته.. وجدتهم لا يطيقون ذرعاً بغيرهم من الواعين والأذكياء والعقلاء والنابهين والأحرار فيحاربوهم.. وجدتهم لا يتقبلون الآخر ولا الرأي الآخر.. بل ويعلمّون الجيل الجديد كيف يقف بالضد لكل من يخالفه الرأي ويكفّره ويجعله ضالاً!!
وجدتهم يعششون في الجامعات مقلدين مرددين يعدمون زمنهم بالقال والقيل.. لم يرثوا ثمار حضارة ولا إبداع تفكير ولا تعايشات مجتمع ولا زرع محبة ولا انتصار نهضة ولا حب علم ومعرفة.. بقدر ما ورثوا كل الخطايا والأحقاد والكراهية وروح العداء والمؤامرات والمشاغبات والدعايات المضادة والخطب الرنانة والمواعظ الفارغة والشعارات البراقة والمهاترات الإعلامية.. الخ وجدتهم مستهلكين غير منتجين وقد أصابهم الكسل التاريخي والتواكلية المقيتة مع ضياع الشعور بأهمية الزمن.. مع جملة ممارسات خاطئة لا يقبلها لا الوجدان ولا الضمير الحي ولا الشرع والقانون.
منذ خمسين سنة مضت وهجرة آلاف العقول العربية إلى الغرب لم تنقطع.. ولم تزل هناك ثلة من أساتذة ومربين عرب يعانون من شقاء الوعي مع إدراكهم أنهم في مجتمعات متخلفة تأكلها بقايا التاريخ وتتصادم فيها تناقضات التفكير!! وعليه، فإن مجتمعاتنا ستصادف مشاكل ومعضلات لا تعد ولا تحصى في قابل الأيام والسنين..
ولا استطيع أن أتصور أبداً هذا الانفجار الديمغرافي الرهيب من البشر في بلدان عربية وإسلامية لكل واحدة منها معاناتها.. بحيث تضيق بالناس مدنهم الكسيحة وأسواقهم الرثة ومدارسهم وجامعاتهم العادية.. ولنا أن نتساءل: إنهم بعد سنين ماذا سيأكلون؟ وماذا سيعملون؟ وأين يسكنون؟ ومن أي ماء يشربون؟ والى متى سيبقون كسالى لا ينتجون، إذ إنهم يستهلكون الحياة والزمن وكل المستوردات وكل الأشياء؟
إن من أكبر الأخطاء ممالأة المجتمع واسترضاءه بكل ما يحفل به من تناقضات ورخويات من دون الوقوف لمعالجته وتحديثه بالاعتماد على مناهج مدنية تربوية وإعلامية وقانونية كي يتحّول مجرى التاريخ نحو الأصوب بوسائل إصلاحية وتحديثية.. وليكن معلوماً أن ليس كل من نادى بإصلاح المناهج التربوية والتعليمية والمفاهيم الاجتماعية يصنّف تابعاً للغرب أو يحسب على القائمة الأميركية فهذه سذاجة وخدعة لا أريدها أن تنطلي على الناس!
إننا إن بقينا على أوضاعنا هذه فإن مجتمعاتنا مؤهلة لتصدير موديلات من نماذج إرهابية ومتوحشة لا تكتفي بالوقوف ضد السلطات السياسية، بل إنها ستقف ضد المجتمع وكل شرائحه وأساليبه وطرائق حياته المدنية، بل ستطال كل العالم! إن هناك تدميراً للسايكلوجيات البريئة التي تنتشر في مدارسنا وجامعاتنا، وانظروا حالات الكبت والعنف التي يعيشها الأطفال والشباب وماذا سيصيبهم من انحرافات؟ فهم عرضة للتناقضات التي لا تعد ولا تحصى، بل والانكى من كل هذا وذاك استخدام آخر ما وصلت إليه تكنولوجيا المعلومات في بث القصص المخيفة وزرع الكراهية من خلال الحكايات والخطابات المرعبة.
إن مدارسنا وجامعاتنا قد أصبحت اليوم أشبه بمداجن بشرية لا يمكن أن تكون بيئات صالحة لتنشئة أجيال جديدة لها تكويناتها المدنية: التربوية والأخلاقية والمعرفية الحقيقية، وان ما يكمن فيها من مربين أسوياء لا يستقيم عددهم مع حجم الجهلاء والأغبياء.. وسواء كانت حكومية أم خاصة فهي لا تصلح إلا لجمع الأموال والكسب غير المشروع.
بل وأصبحت تلك المؤسسات الحيوية بأيدي أناس لا يؤمنون بقيمة هذا العصر، وهم يكسبون الجولة بسبب عدم وجود من يقف ضد أساليبهم التي عادة ما تتهّم أي منتقد لهم بالتكفير.. وهكذا، يفتقد كل العاملين فيها واجباتهم الحقيقية وحقوقهم الطبيعية. إن أسماء لامعة من الأساتذة العرب تمّ إقصاؤهم في السنوات الخمس الماضية من الجامعات العربية بسبب أفكارهم التي لا تستقيم والهجمة الظلامية. فهل يعي أولو الأمر ذلك ؟ أتمنى ذلك من صميم القلب.
مؤرخ عراقي