أظن أن ما يحدث الآن في المنطقة العربية كان كافيا لإحداث زلزال جماهيري غاضب يكتسح في طريقه كل شيء لو أننا أمة حية حقا، أما وأن الأمة في ثلاجة الموتى منذ زمن فإن كل شيء يمر بها دون أن تتحرك، أو تبدي أي نوع من التململ يهيئ لمن يراها من بعيد أن حالها قد يتغير ولو بعد حين.ربما وفرت أحداث يوم السبت الماضي (7 يوليو) وحده مادة خصبة للخروج بهذا الاستنتاج عبر مشهدين.. العراقي والفلسطيني.
في العراق وقعت تفجيرات وأعمال عنف أودت بحياة أكثر من مئتي عراقي نصفهم تقريبا نساء وأطفال، كما جرح نحو ثلاثمئة آخرون.. مع ذلك لم يهز مشهد القتلى والجرحى أحداً، وربما نسي أغلب العرب ما حدث في ساعات النهار لتتجه أنظارهم خلال الليل إلى حفل أقيم في لشبونة لإعلان عجائب الدنيا السبع الجديدة، ولم يجد الكثيرون حرجا في الابتهاج بنتائجها إذ أن الأهرامات المصرية ومدينة البتراء الأردنية نجحتا في حجز مكانهما اللائق في السجل الحضاري للإنسانية، وفي وجه من وجوهه كان هذا الابتهاج تعلقا بالماضي المشرق هربا من الحاضر التعيس.
بالطبع فإن الانتشاء باختيار عجيبتين عربيتين بين عجائب الدنيا مشروع، لكن ما يفقده مشروعيته هو أننا لم نغضب في الصباح لمشاهد القتلى والجرحى ولم نحزن لعشرات النساء والأطفال الذين تحولت أجسادهم أشلاء، حتى يحق لنا أن نقيم الأفراح آخر الليل.
ومشكلتنا في العالم العربي أن الصفعة الأولى وحدها تهزنا، لكن ما يتبعها من صفعات وركلات يصبح أمرا معتادا قد نفتقده ونبتئس من توقفه، وبهذا المنطق صار القتل اليومي في العراق عملا عاديا لا يلفت انتباهنا وأحيانا لاينجح في شق طريقه إلى الصفحات الأولى للصحف أو مقدمات نشرات الأخبار، أحيانا بدعوى عدم تبكيت القارئ أو المشاهد وأحيانا أخرى لأن المتلقي لم يعد يعيره اهتماما، فالفرق بين صحف اليوم والأمس والشهر الماضي والعام الماضي وربما لأعوام عديدة خلت لم يعد في الحدث ذاته، بل في تفصيلة صغيرة من تفاصيله وهي أعداد الضحايا.
حتى الأعداد لم يعد أحد يهتم بإحصائها، فالمصادر الغربية هي عادة من يقوم بذلك نيابة عنا مع أن الخطب جلل، فالعراق أوشك أن ينال لقبا جديدا هو «بلد المليون قتيل».
المشهد الفلسطيني هو الآخر لم يخل من الأرقام المليونية لضحايا الصراعات التي تقتطع من لحمنا الحي دون أن نبدي حراكا، فغزة أيضاً بلد المليون محاصر، وما يحزن ويكسر القلب أن إسرائيل ليست وحدها من يحاصر الغزاويين وإنما هناك مشاركة عربية، بالصمت إذا أحسنا الظن وبالتواطؤ إذا أسأناه، وليست الأزمة في المحاصرين الذين يعيشون داخل بيوت تتهددها القذائف الإسرائيلية من الخارج والجوع من الداخل.
وإنما المأساة في آلاف الفلسطينيين العالقين على معبر رفح، منذ أسابيع، نفد خلالها صبرهم وتبددت أموالهم الشحيحة، وبعضهم سقط أسيرا لليأس والمرض، ومات منهم بالفعل ثمانية وعشرون شخصا منذ بدء إغلاق المعبر في وجوههم. ورغم أن مأساتهم إغريقية الطابع إلا أن أحدا في العواصم العربية لم يصبه أرق مما يحدث، فليمت من يمت وليكابد من يكابد، وربما استراح الجميع لفكرة إلقاء اللوم على الصراعات بين فتح وحماس حتى يغسل بها ذنبه.
هذه النذالة غير المسبوقة التي تبديها الأمة ليست شيئا طبيعيا، لكنها محصلة لإحساس بالعجز والمهانة تجعل أكبر العواصم العربية عاجزة أن تقول كفى للولايات المتحدة، وأن غزوها العراق جلب الكوارث للمنطقة.. وعاجزة أن تقول لإسرائيل يكفي ما حدث طوال ثمانية وخمسين عاما، وعليها أن تعيد الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين الذين تشردوا في أصقاع الأرض.
من خزان العجز نفسه ينبت التطرف والجنون الذي يمارسه البعض باسم الدين، لكننا حتى غير قادرين على إعلان هذه الحقيقة البسيطة للعالم، ربما نجد فيه من يتفهم لماذا يتحول عدد من شبابنا إلى قنابل بشرية.
هل أصبحت «خير أمة أخرجت للناس» كائنا مسخا إلى هذا الحد، ومتى ندرك أن علينا النطق بعد صمت والتململ بعد استكانة والغضب بعد قبول هذا الواقع الذي تعرفون توصيفه أكثر مني؟؟