مهدت المحكمة العليا التركية الطريق لإصلاح نظام الانتخابات الرئاسية، وذلك عندما فتحت الباب لإجراء استفتاء عام على إصلاح دستوري للحزب الحاكم يدعو إلى إجراء الانتخابات الرئاسية بالاقتراع الشعبي المباشر، وذلك برفضها طلبات لإلغاء هذا التعديل. وبموجب الحكم لم يعد في وسع الرئيس احمد نجدت سيزار التصدي للإصلاحات، وبات مرغماً على طرحها على استفتاء، مما يشكل المرحلة الأخيرة قبل احتمال سريانها.
واهم النقاط الواردة في التعديلات التي اقترحها حزب العدالة والتنمية هو انتخاب الرئيس بالاقتراع الشعبي المباشر في دورتين لولاية مدتها خمس سنوات يمكن ان تجدد مرة واحدة، بدل ولاية مدتها سبع سنوات غير قابلة للتجديد. كذلك، تتضمن التعديلات إجراء الانتخابات النيابية كل أربع سنوات بدل خمس سنوات.
وهذا التطور يفتح الباب أمام تأويلات وتوقعات حول مستقبل النظام السياسي التركي، بالنظر إلى أن إصلاح النظام الانتخابي سوف يغير قواعد اللعبة السياسية في تركيا بصورة كاملة قد تفتح الباب امام تولي احد قيادات حزب العدالة والتنمية منصب رئيس الجمهورية في الوقت الذي يسيطر فيه الحزب على البرلمان وعلى الوزارة، بما يعنى سيطرته كاملة على العملية السياسية. وهذه السيطرة قد تغري الحزب بتغيير التوازنات السياسية الحالية في تركيا بما يقضى تماما على النظام العلماني السائد هناك.
وكل ذلك يعنى أن تركيا في مرحلة تحول نوعي في نظامها السياسي وأيضا على صعيد التحولات الاجتماعية في المجتمع التركي بكامله. فأول موقف تمت الإشارة إليه من قبل بعض المراقبين للشأن التركي هو أن الجيش قد يتدخل من اجل الحفاظ على النظام العلماني.
وإذا كان معظم المراقبين يرون أن تعديل نظام الانتخابات الرئاسية يمكن أن يكون هزيمة للكمالية، بالنظر إلى انه سيتيح الفرصة لان يتولى منصب رئيس الجمهورية رمز من رموز الإسلاميين، فان الموضوع أكبر من ذلك لان الأمر يتعلق بهيكل الدولة الكمالية كله وليس فقط بالأفكار ذات الصلة بالفصل بين الدين والدولة، وهذا الهيكل تأسس في العقد الثاني من القرن العشرين واستقر منذ ذلك حين.
وحينما كان هذا الهيكل يواجه بأي تهديد فان الجيش كان يتولى إعادة التوازن إليه مرة أخرى بطرق متعددة منها الانقلاب العسكري. قد يكون هذا الأمر هو السبب في طرح فكرة تدخل الجيش من اجل عدم السماح بالقضاء على هيكل الدولة الاتاتوركية الذي أصبح مهددا بصورة جدية في الوقت الراهن.
وهناك وجهتا نظر تطرحان في مواجهة التطور الراهن المتمثل في إقرار المحكمة العليا مبدأ الاستفتاء على التعديلات التي طرحها حزب العدالة والتنمية، الأولى تقول ان طرح التعديلات ليس معناه الموافقة عليها، وهى ترى أن حزب العدالة والتنمية وان كان يسيطر على معظم مقاعد البرلمان التركي فهو لا يتمتع بشعبية لدى الشعب التركي حيث حصل في الانتخابات السابقة على نسبة 34% فقط من الأصوات.
وتشير استطلاعات الرأي الحالية إلى انه سيحصل في الانتخابات المقبلة المقرر لها أن تجرى في 22 يوليو الحالي على نسبة تقترب من نفس النسبة وهو ما يعنى انه لا يضمن معظم أصوات الناخبين في الاستفتاء المزمع اجراؤه بخصوص انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع المباشر.
أما النقطة الثانية فهي إن الموافقة على التعديلات لا تعني أن يكون الرئيس القادم لتركيا من الإسلاميين، فالتيار العلماني من يمين ويسار لا يعدم شخصيات تصلح للمنافسة على هذا المنصب والناخب التركي لديه وعي بمصالح بلده ويدرك أن سيطرة التيار الإسلامي أي العدالة والتنمية على العملية السياسية ستكون له تداعيات متعددة على الأصعدة الداخلية والإقليمية والدولية وعلى ملفات تركية متعددة.
ولا نعتقد أن المواطن التركي يمكن أن يعطي للحزب التفويض اللازم له لكي يغير بمفرده قواعد اللعبة السياسية التركية المستقرة منذ ما يقرب من 90 عاما، فهذا الخيار يمكن أن يجعل الناخب التركي يختار احد طريقين، الأول هو أن يعطى منصب الرئيس للحزب لكنه في نفس الوقت يحجب عنه الأغلبية في البرلمان أو العكس، أي أن يعطى للحزب الأغلبية في البرلمان ويختار رئيسا لا ينتمى إليه.
فالحاصل أن الأزمة على منصب رئيس الجمهورية، وهو منصب شرفي بروتوكولي وفقا للنظام السياسي التركي، جاءت ليس بسبب شعبية الحزب ولكن لان سيطرته على أغلبية مقاعد البرلمان لم تكن تمكن أي شخصية عامة سواء من اليمين أم من اليسار لأن تطرح نفسها للتصويت على المنصب وهي تدرك أنها لن تتمكن من الفوز.
وبالتالي فان الانتخابات المباشرة هي التي يمكن أن تحجب المنصب عن حزب العدالة، خاصة وان كافة التوقعات للانتخابات التشريعية المقبلة تؤكد أن الحزب سيحصل على أغلبية المقاعد، وإذا ما وضعنا في اعتبارنا انه يرفض اجراء تسويات مع الأحزاب الأخرى المنافسة، سنخرج بنتيجة واحدة هي أن الانتخاب المباشر لمنصب الرئيس ليس في مصلحة حزب العدالة والتنمية وإنما يمكن أن يضيع منه منصب هو حاليا في متناول يديه.
وبالتالي يمكن التعامل مع هذا الموضوع على انه حلقة من حلقات الصراع بين القوى العلمانية والقوى الدينية في تركيا، وان القوى التي تنتمي إلى التيار الديني المعتدل في حزب العدالة والتنمية تتصور انه بما حققته من استقرار في السنوات الخمس الأخيرة لديها الحق في أن تحصل على مكاسب مناسبة وهى تتمثل في تغيير قواعد اللعبة، متصورة أن هذا التغيير يحقق مصالح لها أو على الأقل يمكن أن يغير قواعد لعبة سياسية كانت تستبعدها أو على الأقل تهمشها وهو ما يعنى أن أي تغيير فيها هو في الواقع يحقق مصالح لها.
فهل تقف رهانات الحزب على ارض صلبة أم انه دخل بنفسه إلى الرمال المتحركة للسياسة التركية؟ هذا ما ستجيب عنه تطورات المرحلة المقبلة.
كاتب مصري