كثيراً ما نسمع عن أولئك الصغار الذين تخطوا حواجز الأمنيات وحققوا الحلم بتفوق لافت وبعزيمة مدهشة، نفرح بهم وبانجازاتهم التي تعانق السحاب، والتي تبشر بالخير وتترك الأمل ينبت في النفوس بأن المستقبل مفعم بمشروعات واعدة لعلماء وأدباء ومبدعين، ومع تنامي الإحساس بتلك المواهب الشابة والطاقات الخلاقة، يظل التساؤل عن عمق الاهتمام الذي يولى لمثل هؤلاء، والذي يتعدى التقدير المادي الآني ويركز على التنظير لمستقبلهم من خلال استراتيجية واضحة المعالم تتبنى الحاضر وتضع الحسابات للغد كقيمة استثمارية لا تقل أهمية عن أية استثمارات أخرى صناعية أو تجارية.

ولعل المتفوقين الصغار الذين نبغوا في اولمبياد الرياضيات والفيزياء والكيمياء وحققوا نتائج مشرفة إلى جانب الذين أثبتوا قدرات غير عادية في ابتكار بعض الاختراعات أو الذين برعوا في الخطابة أو الكتابة أو المقالة وفي غيرها من العلوم والآداب، لم يجدوا الإنصاف الأدبي من المجتمع والإعلام، ولم يعرفهم العالم العربي كما عرف أبطال مسلسل «ستار أكاديمي»، ولم يتهافت عليهم المعجبون أو تفاخرت بهم مجتمعاتهم، ولم يدخلوا رهان التصويت عبر الرسائل «الاس ام اس»، ولم ينالوا الحظ في كتابة أسمائهم من نور كما يقال.

النابغون في الوطن العربي يبقون الأقل حظاً بين الفئات المحظوظة إذا جاز التعبير، رغم كونهم الفئة الأندر، لكن هذا لم يغير الصورة النمطية لرعاية الموهوبين في أوطاننا، وتبقى المبادرات الرائدة كمؤسسة الشيخ محمد بن راشد التي تعنى بإطلاق جهود التنمية العربية الإقليمية في مختلف المجالات العلمية والثقافية، مبادرات بحاجة إلى مبادرات تدعمها وتحّرض على إطلاق المزيد منها في مختلف الدول، ولا يمكن أن نتلمس أهدافها إلا بأحداث فرق في اهتمام الإعلام بها من خلال برامج تنتشل هذه العقول المبدعة الشابة من تجاهل متعمد لا يحقق عوائد إعلانية مجزية.

وتبدأ في تخريج كوكبة من الشباب والشابات الذين ظلوا بعيداً عن الأضواء، لأن تغيير الصورة النمطية للشباب العربي يبدأ من هنا، فالنموذج الذي تتسابق القنوات الفضائية لطرحه لنسخة الشاب العربي الذي يتمايل ويرقص و«يتنطط»، يشعرك بالبلاهة وبفراغ العقل.

وبأنه مسلوب التفكير، ولا يعبر إلا عن شريحة مستنسخة تتسم بالتقليد الأعمى، وعلى كل حال ليس هو النموذج المنشود ولا هو من تعوّل عليه الأوطان التطوير والبناء وليس من مصلحتها الترويج له، ورغم ذلك نجده يكتسح كل البرامج على امتداد الخارطة الفضائية العربية؟

فلمصلحة من تغييب النموذج الواعي وإطلاق العنان لأشباه الرجال؟ ولماذا لا تكتفي القنوات الفضائية بمئات الأصوات التي تصدح ليل نهار دون صدى، وتصر على مواصلة تخريج دفعات جديدة في حين يعمل العالم المتقدم على تفريخ العلماء والمفكرين ويقدم لهم الرعاية والاحتضان حتى يواصلوا مشوار العلم بثبات وبثقة؟

وليس مستغرباً أن نسمع أن «بيل جيتس» قد قدم الرعاية الكاملة لأحد الشباب العرب الذي فاز بالمركز الأول على مستوى العالم في مسابقة تصميم المعلومات من خلال وادي السليكون بالولايات المتحدة الأميركية، وذلك بتأمين نفقات تعليمه لمدة ثماني سنوات، فأين أثرياء الأمة من هؤلاء المبدعين والذين ينظرون إلى عملية الاستثمار في التنمية البشرية نظرة مادية تديرها عقلية تجارية بحتة؟

يقول المؤرخ «غسان تويني» إن الموهبة إذا لاقت إحباطاً ومعارضة ستضمحل وتتلاشى. بل ذهب إلى حد القول إن توفير فرص مناسبة من الإبداع هي مسألة حياة أو موت بالنسبة لأي مجتمع، فما بال مجتمعاتنا العربية تمعن في إجهاض المشروعات الإبداعية التي تنبت هنا وهناك دون رعاية أو حتى اعتراف بها.

وإذا ما هاجرت واستقرت في دول الغرب وطورت من موهبتها تستميت وسائل الإعلام لتسليط الضوء على مسيرتها وكأنها الباعث والملهم لهذه الهالة التي تحيط بها، ناهيك عن حالة النكران التي تنسحب على اغلب البلدان العربية والتي تتلخص في الرؤى والاستراتيجيات التنموية وبخاصة في مجال رعاية الموهوبين التي تعلن عنها دون أن نرى نتائج أو حتى فعلاً، وكما يقال جعجعة بلا طحين.

إذن كي نتمكن من تملك أدوات أفضل لمواجهة المستقبل لا بد من التركيز على المعطيات التي يملكها أبناء الأمة الموهوبون، ولا نكتفي بالمناسبات الإعلامية، بل نتوغل عميقاً في تسيير مستقبل هذا الموهوب أو تلك المبدعة، فرغم وجود مراكز لرعاية الموهوبين تنتشر في أرجاء المعمورة إلا أن الإمكانات تظل مقننة ويظل الحلم يجاوز الواقع بمراحل، وحتى لا يتم التستر وراء هذه المنشآت لا بد من إعادة تقويمها وإعادة بثها في وجدان الصغار وأسرهم على حد سواء، فالعزوف أحياناً عن الانتماء إلى مثل هذه المراكز يعود إلى فقر البيئة المقدمة للصغار الموهوبين التي لا تتناسب مع إمكاناتهم بالضرورة.

وإذا عدنا للحديث عن المناهج التعليمية المقدمة للطلاب في مختلف الدول العربية، سنجد أن الطالب يخضع لنظام تعليمي لا يزال تلقينياً ولا يزال لا يحترم الفروقات الشخصية بل يساهم في تحوير شخصيته من شخصية قيادية على سبيل المثال إلى شخصية خاضعة تتلقى ولا تبتكر، تنفذ ولا تحاور، رغم أن التربية الحديثة في الوقت الحاضر تركز على أن الطالب هو المحور الأساسي للعملية التربوية.

ووفقاً لذلك فمن المهم أن يتكيف المنهج مع الطالب وليس كما هو متبع في التربية التقليدية من حيث تكيف الطالب مع المنهج الدراسي بغض النظر عن قدراته ومواهبه وميوله، لذا يرى الخبراء أن إخضاع الطالب إلى تجارب نشاطية خارج نطاق المنهج التعليمي من شأنه أن يبلور موهبته .

وبالتالي إعادة اكتشافه لذاته المبدعة، إلا أنه مع اختلاف العلماء والخبراء والتربويين في الطريقة المثلى في تربية الموهوبين والعناية بهم نجد أن الاتفاق ينعقد على أهمية وجود البرنامج لتربية الموهوبين والعناية بهم، بما يكون مناسباً لهم وهو أفضل لتربيتهم وتنشئتهم من تركهم بدون أي برامج على الإطلاق، ناهيك عن أن العناية بهؤلاء لابد أن تنطلق من البيت ولا يجب أن تترك الأسر أبناءها المبدعين بلا احتضان، ولعل أهم عامل مساعد لتوفير البيئة المناسبة لهذه الرعاية يتركز في حمايتهم من تلك المغريات التي لا تفقدهم مواهبهم بقدر فقدهم لأنفسهم.

كاتبة إماراتية