الخلاف المحتدم بين تنظيمي فتح وحماس الفلسطينيين منذ عقدين ليس بدعاً من أقدار تجارب تحررية أخرى. معظم هذه التجارب عرفت في بعض مراحلها شيئاً آو آخر من التكاسر بين تيارات وأجنحة ومجموعات، على أرضيات من التنابذ الفكري الإيديولوجي أو التنافس على أحقية التمثيل والريادة السياسية أو التعارض حول الأهداف ووسائل تحقيقها وأنماط التحالفات الخارجية، بل ان السيرة الفلسطينية ذاتها ليست مبرأة تاريخياً من التدافع الداخلي بين تنظيمات وأجنحة متباينة الرؤى والتكييفات حول عملية التحرر وما يتصل بها من قضايا وتعقيدات.

فقبل إطلالة فتح وحماس بعقود، كان هناك معسكرا الحسينيين والنشاشيين، ثم الجبهة العربية مقابل اللجنة العربية، ثم الهيئة العربية العليا مقابل منظمة التحرير. ومن المعلوم أن أشهر الفصائل الوطنية، كفتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية، قد تعرضت بدورها لتصدعات وشروخ ثم لانشقاقات تناسلت عنها تنظيمات كثيرة على ما نسمع ونرى في المشهد الفلسطيني.

وشأن ما جرى بين يدي تجارب الآخرين أيضا، فقد انحدرت التفاعلات الفلسطينية البينية من التراشق والتلاوم والاحتكاك النظري السياسي والإعلامي الدعائي ومحاولات اجتذاب الأنصار، إلى استخدام العنف ومحاولات فرض الإرادة والرؤى بالقوة. وكانت المداخلات الخارجية العربية والإقليمية والدولية، أحد الثوابت المؤثرة في تبريد أو تأجيج هذه المظاهر.

لا نبغي بهذه الإشارات الإيحاء بمألوفية أو اعتيادية ما يدور بين فتح وحماس لا سيما منذ ما بعد انتخابات عام 2006، وعلى الأخص خلال أيام الغضب والدم في غزة منتصف يونيو 2007. ما نقصده حقاً عكس ذلك تماماً.. وهو أن ما جرى خلال هذه الفترة يمثل بمعنى ما قطيعة، أو أقله انعطافة حادة، في أساليب إدارة الخلافات بين هذين القطبين مقارنة بالخبرات الفلسطينية السابقة.

ذلك أن «التنازع والاحتكاك والتدافع» السلمي المقرون بأقل القليل من العنف، تحول إلى «صراع ضروس» مغموس بالدم والنار. وفيما كان التنابذ بالألقاب وتبادل الاتهام والتلاوم في الماضي نخبويا ومحصورا ببعض القيادات وأزلامهم، أصبح في أيامنا المنكودة هذه يطال قطاعات شعبية وسياسية واسعة.. حتى صار يقال بلا حرج أن فتح والضفة تواجه حماس وغزة. بمعنى أن حديث التخاصم ولعله العداء، أضحي يمتد إلى تصور وضع نصف شعب الأرض المحتلة على خطوط تماس ملتهبة في مواجهة النصف الآخر.

ينذر بسوء العاقبة في هذا السياق، مسارعة عناصر الفصيلين إلى امتشاق السلاح واستسهال الضغط على الزناد عند بروز أية مشكلة. لقد شحبت لغة العقل والحوار بينهما حتى كادت تختفي تماماً. وراح العنف البحت يتسلل بوتيرة متزايدة بحيث توشك البدائل الأخرى الحميدة كالحوارات والتفاهمات والنقاشات المباشرة أو عبر وسطاء أن تغيب من المشهد.. الأمر الذي أضجر بعض أقوى العواصم العربية وأكثرها تغلغلاً في الشأن الفلسطيني وجعلها تفكر في الانسحاب من هذه المعمعة، معلنة قرفها وسخطها على الملأ.

اللافت أن المتنازعين ما عادا يكتفيان بتبادل رسائل الردع عبر التلويح بالعنف أو حتى باستخدامه في حدود دنيا منضبطة، وإنما أوغلا في مراكمة أدواته بكل ما أوتيا من حيلة ثم استخدماها بشكل مفتوح وبكل تصميم بلا سقف ولا قاع. وفي أحداث غزة الأخيرة، بدأ هذا الغلو حداً جعل المرء يتساءل عن حجم الخراب الذي كان سيلحق بالمجتمع الفلسطيني فيما لو أن فتح وحماس امتلكتا دبابات وطائرات وصواريخ موجهة ؟!.

أين هذا مما كان في ثلاثينات القرن الماضي وأربعيناته حين كان اغتيال مجرد امرئ فلسطيني واحد، مشكوك في ذمته الوطنية وعمالته للتحالف البريطاني الصهيوني، يقيم الدنيا ولا يقعدها، ويثير جدلاً اجتماعيا وسياسياً واسعاً! وإلى وقت قريب كان مثل هذا السلوك مدعاة لغضب المجتمع، طالما أنه لا يتم وفقاً للقانون والمساءلة القضائية.

لقد كان الاقتتال الداخلي بغض النظر عن كميته ونوعيته خطاً فلسطينيا أحمر بالفعل، حتى قيل عن حق بأن تكرارية قتل البعض بشبهة التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي أخافت الناس من فوضي الموت وتسلل عمليات الانتقام الشخصي أو العشائري، وأجفلتهم من تصرف التنظيمات خلال الانتفاضتين الأولى والثانية.

من طبائع المجتمع الفلسطيني أنه يمقت البطش واستباحة الدماء داخليا اعتماداً على الأقاويل والأراجيف حتى بالنسبة لقضايا الخيانة. وكثيراً ما طمع المثقفون وأهل الحل والعقد في الرأفة مع بعض الذين ثبتت عليهم هذه الوصمة، بحسبهم خضعوا لضغوط مادية ومعنوية جبارة لم يصمدوا أمامها.

فما بال أكبر قوى هذا المجتمع الآن تستمرئ العنف المكثف اللا محدود بحق قطاعات سياسية وحزبية منافسة أو حتى مناوئة، وبعضها شريك في النظام السياسي والحركة الوطنية؟!. أية شياطين عبثت بالعقل الجمعي لفتح وحماس، كليا أو جزئيا، وانتهت بهما إلى هذا الانحراف المشين؟. ما نوعية الثقافة والتعبئة الفكرية الأيديولوجية والسياسية والدينية التي تبثها القوتان في وجدانات كوادرهما وعناصرهما، بحيث سوغت وسولت لهم القتل والتشفي بلا وازع؟.

ما الذي يقال لهذه الكوادر والعناصر في معرض تبرير عمليات الاغتيال الفردي والجماعي المصحوب بالتمثيل والمسبوق بالتعذيب المروع؟. من أي عالم سفلي هبطت على البعض فكرة حشر المشتبه بهم أو المتهمين بأية فعلة كانت في الأقبية حتى الموت على طريقة القبور الجماعية، أو مطاردة أبناء الوطن بل وربما قتلهم على اللحية أو الهوية والانتماء الفصائلي؟!.

ترى هل تأثر المنحرفون إلى هذه السلوكيات الجهنمية بشعائر بعض النظم العالمثالثية المستبدة، أم أنهم استلهموا عن وعي أو لا وعي إجراءات دولة الاحتلال لطول مقامها بين ظهرانيهم؟. هل اختلطت الأمور على بعض «الفتحاويين والحمساويين» حتى ما عادوا يميزون بين إدارة الخصومات والاجتهادات الداخلية الوطنية وبين أساليب الصراع مع العدو الصهيوني؟.

ما الذي جعل هذا البعض يصاب مبكرا بأعراض مرحلة ما بعد الاستقلال، مغفلا استحقاقات زمن مقاومة الاحتلال التي تقتضي أقصى مظاهر التوحد؟!. ما الذي أعمي بصائر الذين استطابوا الحوار والتفاوض البطيء حتى الملل مع إسرائيل ورفضوا المبادئ ذاتها مع شركاء الحركة الوطنية والدم والمصير؟!.

نعلم ان الفصائل الفلسطينية لم تجد الفرصة ولا الظروف المناسبة لأجل تطبيق واحدة أو أخرى من نظريات التغيير الاجتماعي.. لكن أسئلتنا هذه تتصل أكثر بنوعية التعبئة الفكرية والتثقيف السياسي الذي لابد لأي تنظيم سياسي مسلح أو مدني أن يضطلع بها..هذا وإلا كنا بصدد أطر مجوفة فكرياً، تمضي قياداتها وعناصرها بلا وعي ولا كتب منيرة.

أحداث غزة في كل حال أفصحت بجلاء عن وجود أعصاب ثقافية فلسطينية عارية، لابد من الانتباه لها وتغطيتها اليوم قبل الغد.

كاتب وأكاديمي فلسطيني