في بدايات مرحلة النمو والتنمية والبناء في الإمارات كان حصول المواطن على الوظيفة لا يحتاج إلى جهد وبحث وعراقيل، وكان انضمام المواطن للوظيفة يتم بأقل قدر من الشروط والمواصفات، لم تكن إعلانات الوظائف تشترط الخمس أو العشر سنوات خبرة، ولا الماجستير واللغة الإنجليزية قراءة وكتابة، ومن الأساس لم تكن هناك إعلانات وظائف، لأن أعداد المواطنين كانت قليلة وكان يتم استيعابهم في المؤسسات الخدمية بسلاسة تامة، فيما بعد، وبسنوات، تعقدت الأوضاع وكبرت مساحة التنمية وتمددت المشاريع بشكل فاق كل التصورات ومعها تدفق البشر من كل صوب!
وهنا، صار بإمكان المؤسسة أن تفرض شروطها وتقبل الموظفين فيها ضمن مواصفات محددة، فكانت سنوات الخبرة محكاً وكانت الدراسات العليا اشتراطاً، وصارت الإنجليزية أمراً لا يمكن التساهل فيه، ولم تقف هذه العقبات في وجه شباب الإمارات الذين تمكنوا بدعم الحكومة من تحصيل العلم والشهادات العليا والخبرات من أرقى جامعات الشرق والغرب وفي أصعب وأدق التخصصات.
لكن اللافت والغريب هذه الأيام هو محاولة التخلص من أصحاب الخبرة بحجة ضخ دماء شابة في عروق المؤسسة، والعجيب أن أول من يتم الاستغناء عنهم واستبدالهم هم من شباب البلد المواطنين الذين أثبتوا وعلى مدى سنوات إخلاصهم للوطن والمؤسسة، وممن يشهد لهم بكفاءاتهم ومهاراتهم العالية.. هؤلاء يتم التخلص منهم ببساطة، وإزاحتهم من وظائفهم لصالح أشخاص إما أنهم مواطنون أقل كفاءة ومهنية وخبرة، وإما أنهم ليسوا مواطنين على الإطلاق وليسوا بذات الكفاءة والمهنية!
يبقى السؤال عن السبب معلقاً وبلا إجابة شفافة تضع النقاط على الحروف، لكن ذلك لا يعني عدم وجود إجابة، ولا يعني غموض الحالة أو تعسر فهمهما.
فإذا تركنا السؤال عن السبب صرنا في مواجهة سؤال أهم عن الخسائر المترتبة على فقدان هذه الخبرات العلمية والمهنية والأكاديمية والثقافية، بالنسبة لمجتمع أنفق الكثير من المال والجهد والوقت لتكوين هذه الخبرات البشرية التي لم يستفد منها كما يجب أولاً، ولم يمنحها الفرصة ثانياً لتقدم كل ما لديها في بيئات عمل نظيفة وخالية من الصراعات القاتلة للإبداع والعطاء!
لدينا شباب مازالوا في عمر العطاء، بل في قمة العطاء، يحملون شهادات تخصص في علوم دقيقة ومهمة، وقد أنفقت عليهم الدولة ملايين الدولارات ليتحصلوا عليها، وأنفقوا هم من أعمارهم سنوات بل أحلى سنوات العمر ليحيطوا بها ويملكوا زمام التفوق فيها.
هؤلاء يدفعون دفعاً للخروج من المؤسسات إما بالاستقالة أو التقاعد أو إحالتهم للتقاعد. وبالتالي يتحولون إما إلى أصحاب مشاريع تجارية غير ذات عائد على التنمية والبناء، وإما إلى مشاريع هجرة حقيقية، وهذه لابد من تأملها جيداً لأنها حقيقة قاسية لا أدري لماذا يغض الطرف عنها!
لا أفهم لماذا تتم إحالة متميز في تقنية المعلومات للتقاعد بعد تكريمه ومنحه جوائز من مؤسسته وهو في عز شبابه، ليستبدل برجل أجنبي مثلاً لا يملك مؤهلاته نفسها؟ لا أفهم كيف تنادي مؤسسة بالتوطين وأول من تستغني عنهم شبابها من خيرة المواطنين، لا أفهم سر هذه الثقة المطلقة ببعض الأجانب، بينما تمنح الثقة للمواطن بمقدار محدد وقد لا تمنح ؟!.. يا جماعة نحتاج إجابات!
