أعلنت مصادر رسمية من وزارة الطاقة الروسية أن بورصة النفط الروسية ستبدأ العمل أوائل أغسطس من العام الحالي. وستتعامل بورصة النفط التي تتخذ من مدينة سان بطرسبورغ الروسية مقرا لها بعملة الروبل الروسية، وهو ما يدفع الخبراء الروس للاعتقاد بأن هذا الوضع سيزيد الطلب على العملة الروسية تمهيدا لجعل الروبل من العملات الرئيسية في أسواق المال العالمية.

وتستهدف خطوة إنشاء بورصة النفط الروسية وقف ربط أسعار النفط الروسي بأسعار خام برنت، وهو الربط الذي يقضي بأن تكون أسعار النفط الروسي أقل من أسعار خام برنت بنسبة 6 ـ 10%. ديوان الكرملين أكد في وقت سابق حول البورصة النفطية الروسية أن عمليات التداول والبيع والشراء في هذه البورصة ستكون بالروبل العملة الأساسية المستخدمة في حسابات المتعاملين معها. وأن الخطوة التالية ستكون افتتاح بورصة للغاز الطبيعي، باعتبار أن عمل هذه البورصة لابد وأن يترافق مع إعادة تنظيم آليات سوق وتجارة الغاز. ووفق قناعة الجهات الحكومية فإن مشروع إنشاء بورصة نفطية في روسيا تتعامل بالروبل، يمكن أن يحقق لمصدري النفط عائدات تصل إلى 6 مليارات دولار سنويا.

وذلك نظرا إلى أن النفط الروسي يباع خارج روسيا، مما يؤدي لفقدان هذه العائدات التي يمكن تحصيلها لو تم تسويق النفط إلى المستوردين الأجانب في الأسواق الروسية. ويسود اعتقاد في أوساط الحكومة الروسية أن مؤسسات الدولة يمكن أن تحصل على احتياجاتها من الطاقة من خلال هذه البورصة، ويعتقد فريق من الخبراء أن أهمية هذه البورصة تكمن في انه سيتم تسويق النفط والغاز بالروبل، مما سيمنح العملة الوطنية قوة اقتصادية، وسيمكن الحكومة من تحقيق مشروعها بتعويم الروبل في الأسواق المالية العالمية.

ومن المتوقع أن تقوم شركات نفطية حكومية روسية ك«روس نفط» و«غاز بروم نفط» بتسويق إنتاجها من النفط في البورصة الروسية. وكانت شركة «لوك اويل» أعربت عن تأييدها للمشروع، وترحيبها بتطوير آليات التجارة في سوق النفط. كما أعلنت إدارة شركة «غاز بروم» الروسية عن استعدادها لتوريد جزء من إنتاجها من الغاز للسوق الداخلية إلى البورصة، من المعروف أن حجم مبيعات الشركة المذكورة في السوق الروسي يصل إلى أكثر من 286 مليار متر مكعب، بينما يقدر إجمالي إنتاجها بحوالي 548 مليار متر مكعب، ويبلغ حجم صادراتها للأسواق الخارجية 151 مليار متر مكعب.

ومما لا شك فيه أن هذا المشروع يمكن أن يقوم على هذه النوايا المتفائلة، إلا انه من الصعب أن يوفر الإمكانية لرفع أسعار النفط الروسي حتى تتساوى مع أسعار خام برنت، فمن المستبعد أن يقدم مصدرو النفط الروس الذين تربطهم عقود طويلة الأمد مع المشترين الأجانب على إلغاء هذه الاتفاقيات لكي يقوموا بتسويق منتجاتهم من النفط المعد للتصدير عبر بورصة سان بطرسبورغ. كما أنه من الصعب التوقع باهتمام المشترين الأجانب بهذه البورصة، وتوفر النوايا لديهم لشراء النفط عبر بورصة سان بطرسبورغ.

واعتقاد بعض السياسيين بأن نشاط هذه البورصة سيفتح الطريق لتنفيذ قرار بوتين بجعل الروبل عملة قابلة للتحويل، باعتبار أن تداول النفط في بورصة روسية وبالروبل لابد أن يزيد الطلب على العملة المحلية، ويجعلها من العملات التي تستخدمها الشركات العالمية في عملياتها الاقتصادية، لا يأخذ بعين الاعتبار قدرات الروبل، والقاعدة الاقتصادية التي يستند إليها، والتي لم تتمكن من تقديمه للأسواق المالية العالمية كما يطمح الكرملين.

ان المبالغة في تقوية الروبل، وارتفاع سعر صرف الروبل، سيؤثر سلبا على إمكانية منافسة السلع الروسية، وبالتالي قد يتسبب في الانخفاض المحتمل لمعدلات النمو الاقتصادي. وستؤدي أيضاً إلى زيادة التضخم. هذا الوضع يمكن أن يسبب أزمات حقيقية في قطاع الاستيراد وعدد من القطاعات الصناعية، ويضعف من القدرات التنافسية. ويسبب ارتفاع أسعار الروبل الناجم عن تدفق عائدات النفط، في ظل الفساد في مؤسسات إنتاج الطاقة الذي يمكن إداراتها من شراء مستلزمات إنتاج وتوريد الطاقة بأسعار عالية مقابل رشاوى، ما يسبب ذلك رفض الأسواق العالمية للمنتجات الروسية بسبب ارتفاع أسعارها بصرف النظر عن جودتها.

ويعتبر العديد من الخبراء أن تقوية مواقع الروبل يجب أن لا تزيد على نسبة 8 ـ 10%، باعتبارها النسبة التي تتلاءم مع نمو إنتاجية العمل. ومن المشكوك فيه أن روسيا ستكون قادرة على إدارة أعمال هذه البورصة بما يحقق هذه المعادلة، ويضمن عدم المبالغة في تقوية أسعار الروبل.

وقد اعتبر فلاديمير لوكاشوف أمين تجمع أعضاء مجلس النواب الروسي الذين يمثلون مصالح المستثمرين الروس في البرلمان الروسي، أن أسعار النفط ستواصل ارتفاعها طالما تمادت الولايات المتحدة في انتهاج سياستها، ولم يستبعد أن يواصل الدولار تراجعه أمام العملات الأخرى طالما واصلت أسعار النفط ارتفاعها، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تستفيد من تراجع قوة العملة الأميركية، باعتبار أن هذا يؤدي إلى دعم القدرة التنافسية للسلع الأميركية. وتتباين آراء البرلمانيين الروس تجاه البورصة التي ستبدأ عملها خلال اقل من شهر، إلا أن الرأي السائد يعتبر انه حان الوقت لأن تؤسس روسيا أدواتها للتحكم في تسويق منتجاتها بما يحمي مصالحها.

وتجدر الإشارة إلى أن معاهد الطاقة ومراكز الأبحاث الروسية ترى ضرورة قيام روسيا بتوظيف ما لا يقل عن 300 مليار دولار أميركي على صناعة النفط خلال الأعوام الـ 8 ـ 10 المقبلة حتى تحافظ على مستوى إنتاجها الراهن، وإلا سيشهد إنتاج النفط الروسي تقلصا كبيرا. وتأتي هذا التقييمات في ظل ارتفاع الضرائب التي تحصلها الحكومة على تجارة النفط، لتصل إلى 200 $ للطن الواحد، ما يشكل عقبة تعيق توفير جزء منه أرباح تسويق النفط لزيادة الإنتاج. وتكشف العديد من الدراسات والأبحاث أن تكلفة إنتاج النفط في روسيا تتزايد لاسيما وأن حقول النفط الجديدة تكمن في مناطق يصعب الوصول إليها.

إن عدم توجيه الاهتمام الكافي للكشف عن حقول نفط جديدة وتحديث آليات التنقيب عن النفط، سيؤدي بالضرورة لانخفاض إنتاج النفط في روسيا خلال السنوات العشر المقبلة بمعدلات يمكن أن تصل إلى 20%. هذا الوضع بدأ يثير تساؤلات حول مدى جدوى بورصة النفط، إذا لم تتبن الحكومة برامج جدية لتحديث صناعة الطاقة في روسيا والنهوض بها.

مركز دراسات الطاقة ـ روسيا