فيما تصاعَد معدّل الخسائر في العراق وانهارت ثقة الشعب الأميركي في استراتيجية بوش وقادته العسكريين، بدأ البحث في واشنطن عن خيارات تحفظ بعض ماء الوجه أمام الفشل الأميركي في العراق الذي ينزلق نحو حرب أهلية دامية.
يسود اعتقاد متزايد لدى القادة العسكريين في العراق أن الأهداف الشاملة التي حددها الرئيس بوش في تصريحاته السابقة مطلع العام الحالي عندما أقدم على زيادة عدد القوات الأميركية لن يكتب لها النجاح خلال هذا الصيف كما كان متوقعاً، وهم اليوم بصدد البحث عن صياغة جديدة لمعنى تحقيق النجاح. ففي شهر سبتمبر المقبل ينتظر من الجنرال «ديفيد بيتراوس» أن يقدم تقييماً إلى الكونغرس عن مسيرة التقدم المحرز في العراق. لكن كبار الضباط الأميركيين العاملين في العراق، فضلاً عن مستشارين خارج الجيش يشككون في إمكانية بلوغ الأهداف الثلاثة الأساسية التي وضعها المسؤولون الأميركيون أمام حكومة نوري المالكي وطالبوه بالعمل على تحقيقها.
ويبدو أن الإنجاز الوحيد الذي يمكن الإشارة إليه في هذا السياق هو تمرير قانون جديد لاقتسام عائدات النفط بين المناطق السُّنية والشيعية والكردية بعد رضوخ حكومة المالكي لضغوطات الرئيس بوش مقابل دعم بقائها. ووصلت أحوال الرئيس بوش في أميركا إلى حد من السوء لم يسبق له مثيل من قبل، فقد أصبح الرفض الشعبي لسياسته واضحا كل الوضوح في الكونغرس الذي يمثل الرأي العام الأميركي فقد أخذت الأغلبية الديمقراطية توجه الصفعات كل يوم إلى وجه بوش ولا يكاد يمر يوم واحد إلا ويتلقى الرئيس صفعة جديدة من أعضاء الكونغرس، حتى وصل الأمر إلى توجيه الصفعة الكبرى إليه منذ أيام من قبل مؤيديه الجمهوريين بانتقاد تسرعه في زيادة عدد قواته في العراق.
المتابع للتصريحات السياسية والعسكرية، يرى أن بوش قد خالف معظم جنرالاته الذين لا ينصحون بزيادة القوات في العراق، كما أنه يتحدى الأغلبية الديمقراطية في البيت الأبيض بمجلسيه.. ويساوم على اعتبار نفسه في حالة حرب وأنه القائد العام للقوات المسلحة ويمكنه اتخاذ هذا القرار دون الرجوع للنواب وهو يعلن أنه سيتحمل كافة المسؤوليات المتعلقة بخطته المنتهجة في العراق، وتكليف وزير الدفاع روبرت غيتس بالبحث عن الحلول.
والواقع أنه لا أحد كان يؤمن حقاً بأن خطة الزيادة في عدد القوات الأميركية ستنجح، وهي ليست سوى مناورة لتضليل الرأي العام الرافض للحرب والمطالب بسحب القوات من العراق. فالخطة في جوهرها لا تختلف كثيراً عن الجهود السابقة للإدارة الأميركية التي حاولت فرض حل عسكري في العراق. ولن يسهم الانتظار لفترة أطول ـ حتى يعلن الجنرال «ديفيد بيتراوس» تقييمه لنتائج الخطة بحلول شهر سبتمبر المقبل ـ سوى في تمديد حالة التردي في بلاد الرافدين، لاسيما في ظل الاعتراف الضمني للإدارة الأميركية بالفشل، وظهور مجموعة من الأهداف والمبادرات المتضاربة التي توحي ليس فقط بالتباس المواقف، بل أيضاً بالفوضى العارمة التي تضرب العراق.
المحصلة النهائية للحرب في العراق ستكون هزيمة أميركية أخرى على غرار الهزيمة الأميركية في فيتنام، ويستند هؤلاء إلى أن معدل الخسائر الأميركية في العراق يقترب من نفس المعدل الذي كان في فيتنام. واليوم يبدو أن النتيجة النهائية للمباراة في العراق باتت معروفة إن لم يكن في تفاصيلها، فعلى الأقل في ملامحها العامة، بعد أن مالت الكفة بشكل واضح لغير صالح الولايات المتحدة. وما إن يتراجع التأييد للحرب حتى تحط الخسارة على رؤوس الجميع، ولا مجال لتغيير المسار، إذ لا توجد ديمقراطية جديرة بهذا الاسم تستطيع تغيير موقفها عندما تنقلب شعوبها ضد الحرب.
والمؤمل أن يغتنم الشعب الأميركي، في خضم معركة تبادل التهم، الفرصة لطرح مجموعة من الأسئلة حول الدور المنوط بالقوة الأميركية في العالم والهدف النهائي منها. أسئلة من قبيل: ما مدى النفوذ الذي يتعين على الولايات المتحدة ممارسته في الشرق الأوسط؟ وهل النفط يستحق إهدار الدم والمال للحصول عليه؟