الأمم الحية هي التي تسكن في المستقبل ولكن لا تنسى أبداً أن الماضي هو الأساس الراسخ لها والمنطلق الحقيقي لنجاحها، لهذا من المفيد الاستفادة من عبر التاريخ، ولا ضير أن يكون التقييم قاسيا والعودة إلى الوراء لمناقشة بعض المحطات والمنعطفات الأساسية التي ساهمت بشكل أو بآخر في التأثير على مسيرة الامة وكينونتها ومن شروط هذا التقييم الموضوعية وليس روح الثار السائدة هذه الأيام، وعلى ما نشهده فيما يلجأ إليه بعض النخبة او الانتلجنسيا المؤثرة من أهل العقد والحل وأصحاب الرأي السديد.
لا نجازف في القول عندما نقول ان من أسباب التراجع والتردي هو عدم البحث الموضوعي لشؤون أحوالنا بشكل جدي وعميق بعيدا عن التزلف والوصولية، ولا نبالغ أيضا اذا ذهبنا الى تبني مقولة قديمة وهي تقديم الشكر لمن أهدى الينا عيوبنا ودلنا على مواضع الضعف ومواضع القوة، فهذا هو العمل الصالح الذي ينبغي ان نسير اليه وتقبل النتائج بروح ايجابية.
هنالك الكثير من المحطات العاصفة التي وقعت في الآونة الأخيرة وأثرت على مسيرة الأمة ويأتي في طليعتها اغتصاب فلسطين وتشريد شعبها بطريقة وحشية وإقامة دولة على أنقاضها بشكل لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلا لها. وفيما ذهبت الحكومات العربية تجمع الطاقات لإعادة الحق لأصحابه وقعت أيضا أخطاء قاتلة أبرزها نكسة او هزيمة الستينات وما جرته هذه القضية على معنويات الأمة بشكل عام .
ورغم مرور أكثر من أربعين عاما على ما يسمونه الهزيمة تعامل معها البعض وكأنها حصلت يوم أمس وبدأ يبني على الشيء واخذ يكيل الشتائم للمسؤولين عن تلك الحقبة وبدأ بفتح القبور واستحضار جماجمهم وتحميلهم النتائج التي آلت إليها الأمور في تلك الحقبة.
ولكن السؤال البديهي والبرى لماذا نبش هذه القضية الآن وإثارة غبار الهزيمة البشع بعد مرور أربعين عاما عليها؟ والسؤال البريء الآخر لماذا تسليط الضوء على الهزيمة بعد مرور اقل من عشرة أشهر على هزيمة الجيش الذي لا يقهر على يد المقاومة اللبنانية في حرب يوليو الأخيرة حيث استطاعت هذه المقاومة رغم حملات التشكيك ان تنتزع نصرا لا غبار عليه وذلك باعتراف إسرائيل نفسها عندما أنشأت لجنة فينوغراد التي خرجت بخلاصات واستنتاجات واضحة في هذا المجال ؟
إذن السباق الذي ذهب اليه البعض لم يكن هدفه تقويم الاعوجاج بقدر ما كان هدفه التغطية على النصر الذي تحقق في لبنان ومسح آثاره النفسية والمعنوية خصوصا مقولة «ما بعد ما بعد حيفا» حيث استطاعت هذه المواجهة الطويلة والعنيفة ان تعطل سلاح الميركافا وان تعطب للعدو سلاحه البحري فيما بقي سلاحه الجوي يعبر في السماء بلا هدف حيث لم يستطع وقف الكاتيوشا التي بقيت تتساقط على المستوطنات حتى آخر لحظة .
إن توقيت إعادة تقييم هزيمة الستينات بقدر ما هو مطلوب الا ان توقيته يحمل أكثر من علامة استفهام، ثم من قال ان الحرب كانت هزيمة بل على العكس كانت حافزا للمزيد وتمهيدا فعليا لانتصار حرب أكتوبر الذي كان البعض سيحوله الى هزيمة نكراء، وتفاصيل ما نقرأه ونسمعه حاليا عن فكرة العميل المزدوج أشرف مروان هي واحدة من هذا السيناريو البشع الذي نشهد معالمه هذه الأيام بشكل سافر .
بغض النظر عن كل الكلام الذي يسربه الإعلام الإسرائيلي هذه الأيام عن هذه القضية يبقى القول إننا إزاء قضية ملتبسة ولكن الهدف واضح إننا إزاء حملة إسرائيلية ضخمة لغسل وجه إسرائيل من الهزيمة التي أصيبت بها على يد حفنة من الرجال الذين وقفوا في وجهها. لهذا تبقى القضايا معلقة والحلول مؤجلة.. بانتظار أن تصنع إسرائيل نصراً تغسل من خلاله عارها.