تحاول الدوائر السياسية الغربية المناهضة لروسيا دائبة أن تثير المخاوف والقلق لدى الأوربيين من احتكار روسيا لتوريد الغاز الطبيعي لهم، وتستدل هذه الدوائر في مساعيها هذه على أساس أن شركة غاز بروم الروسية التي تحتكر إنتاج وتصدير الغاز الروسي تهيمن عليها الحكومة الروسية، وهذا في الواقع أمر صحيح وقد اشتد النقاش في وسائل الإعلام الأجنبية في الفترة الأخيرة في موضوع:هل تستطيع روسيا أن تفي بالتزاماتها في مجال تأمين إمدادات الغاز الطبيعي للمستهلكين في الخارج؟
وغالبا ما يشار هنا إلى تصريح رئيس وكالة الطاقة الدولية كلود مانديل الذي ذكر فيه أن شركة «غازبروم» لا تعد مصدرا مأمونا للغاز الروسي إلى أوروبا في المستقبل. وتُتهم «غازبروم» بإنتاج الغاز من الحقول القديمة، وضعف نشاطها في استثمار حقول جديدة، وربما لو كانت غاز بروم شركة خاصة لا دخل للحكومة بها لما أثارت الدوائر الغربية حولها هذه الشائعات، وخاصة لو كان فيها استثمار أجنبي، وهو الأمر الذي ترفضه الحكومة الروسية.
ومن الجدير بالذكر أن إحصائيات احتياطي الغاز في العالم متضاربة كما هو الحال مع تقدير حجم احتياطي روسيا. وتشير تقديرات مختلف المصادر إلى أن حصة روسيا تتراوح بين ربع وثلث الاحتياطي العالمي من الغاز. ومن المعروف أن هذه الحصة تلعب دورا رئيسيا في السوق العالمية للغاز.
ويذكر أن حجم الاحتياطي. للغاز في العالم يبلغ 150 تريليون متر مكعب تقريبا. وتكفي هذه الكمية للتنمية الاقتصادية لمدة 70 عاما فقط. وتتصدر روسيا دول العالم الأخرى في هذا المجال لما تملكه من احتياطي كبير من الغاز. وتشير تقديرات الوكالة الجيولوجية الأميركية إلى أن 25 بالمائة من احتياطي النفط والغاز تقع في مناطق القطب الشمالي، وخاصة في روسيا.
وتبقى المسألة متعلقة بإمكانية الاستثمار الصناعي للجروف القارية لروسيا في المناطق القطبية. وتتيح التكنولوجيات الجديدة خلافا لما كان عليه الوضع في تسعينات القرن الماضي إمكانيات إنتاج الغاز في المناطق الواقعة في أقصى الشمال وجروف البحار القطبية.
ونرى أن الاعتبارات السياسية وليس الاقتصادية هي السائدة الآن في مسائل الغاز. ولهذا فان الاعتبارات السياسية تلك هي التي تحدد النقاش حول قدرات روسيا في مجال الغاز. ويبدو أن فكرة تشكيل منظمة للغاز على شاكلة الأوبك تبدو واقعية جدا في الوقت الراهن. وإذا كانت روسيا تملك 27 بالمائة تقريبا من احتياطي الغاز في العالم في حين تبلغ حصة إيران نحو 15 بالمائة فان هذين البلدين يتمتعان بقوة كبيرة للتأثير في سوق الغاز العالمية.
ولابد لهذه الإمكانيات أن تثير قلق مستهلكي الغاز الرئيسيين في العالم.
وتطالب البلدان الغربية روسيا برفع القيود عن شبكة نقل الغاز الروسية، والسماح بنقل غاز آسيا الوسطى عبر هذه الشبكة وفق شروط الترانزيت الاعتيادي. وتقوم البلدان الغربية في نفس الوقت بتطوير المشاريع البديلة لإمداداتها من الغاز المذكور، ولكن عبر أنبوب قزوين. ولا بد من القول إن الخط السياسي للغرب تجاه الغاز الروسي لا يحظى دائما بدعم أوساط الأعمال المهتمة بإقامة تعاون نشط مع شركة «غازبروم».
وتشير معلومات أوساط حكومية روسية وخبراء مستقلون من شركة بريتش بيتروليوم مثلا إلى أن احتياطي روسيا المؤكد من الغاز وصل في أواخر عام2004إلى48 تريليون متر مكعب (27 %من حجم الاحتياطي العالمي). أما إنتاج روسيا من الغاز فقد يبلغ645-665 مليار متر مكعب بحلول عام2010، و710-730 مليار متر مكعب في عام 2020، وتنتج روسيا نحو 600 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، تصدر منها إلى الخارج 200 مليار متر مكعب. ما يعنى أن المخاوف من حدوث نقص في إمدادات الغاز لا تستند إلى أي أساس.
وإذا ألقينا نظرة سريعة على الوضع الحالي لقطاع الغاز في روسيا فسنجد أن مخاوف الغرب تحمل طابعا سياسيا استعراضيا لا يخلو من رواسب الحرب الباردة الماضية ومن تخوفات من زيادة نفوذ روسيا الاقتصادي في أوروبا والتي يخشى البعض أن يتحول في المستقبل إلى نفوذ سياسي.
ويبدو أن الغرب لا يخشى التبعية لواردات الغاز الروسي بل يشعر بالقلق من تعاظم دور روسيا في المجال الاقتصادي الأوروبي، واحتمال مساهمتها في رؤوس أموال شركات الطاقة الأوروبية، خاصة بعد أن تعزز موقفها نتيجة ما تحصل عليه من عوائد التصدير. كما يثير سعي روسيا إلى إبرام عقود طويلة الأجل في مجال صادرات الغاز حفيظة الأوروبيين الذين يرون فيها أداة محتملة لاحتكار الأسواق وما يتبع ذلك من تخويف قد يصدر عن روسيا.
وردت شركة «غازبروم» على هذه المخاوف بالتأكيد على ولائها لمبادئ حرية التجارة، وبالتلميح إلى وجود أسواق أخرى تتميز بآفاق رحبة بالنسبة لها كأسواق الصين واليابان. ونستطيع أن نؤكد بهذا الشكل أن روسيا تتمتع بوجود جميع الإمكانيات التي تتيح لها توسيع صادراتها من الغاز، وتوطيد مواقعها في الأسواق العالمية. أما الضجة المفتعلة حول هذه المسألة فأنها لا تدل على أن شركة «غازبروم» تواجه صعوبات ما في إنتاج الغاز، وإنما على وجود تناقضات سياسية بين روسيا والغرب.
المشكلة أن بعض السياسيين الغربيين لا يستطيع أن يتصور أن روسيا تحولت تماما إلى اقتصاد السوق، وأنها لا يمكن أن تعرض إنتاجها الكبير من الطاقة للاضطرابات والأهواء السياسية ، لكنها في نفس الوقت لا تقبل أن تكون مع إنتاجها الكبير من مصادر الطاقة دولة ضعيفة ومجبرة تحت ضغط شروط المستهلكين المحتاجين لإنتاجها، لأن هذا من ناحية شيء مهين لها ولمكانتها الدولية وأيضا في نفس الوقت سيضعف قيمة إنتاجها وربما يعرضه لانخفاض الأسعار.
ومن هذا المنطلق رفض وزير المالية الروسي ألكسي كودرين في مؤتمر الغاز المنعقد في امستردام فكرة انضمام روسيا إلى ميثاق الطاقة الأوروبي الذي يتضمن السماح للشركات الأجنبية باستخدام خطوط أنابيب الغاز المملوكة لشركة الغاز الروسية الرئيسية «غاز بروم».
وتحدث رئيس شركة «غاز بروم» ألكسي ميلر للمشاركين في المؤتمر الذين يمثلون 35 بلدا حول كيف أن شركته تحولت إلى شركة عالمية وأكد أن روسيا ستستمر في تزويد أوروبا بالغاز لعشرات السنين الأخرى وإن شركة «غاز بروم» كانت ولا تزال وستظل تعطي للسوق الأوروبية أولوية قصوى.
وقال رئيس شركة «غاز بروم» في خطابه أمام المشاركين في المؤتمر إن تبعية أوروبا لروسيا كمنتج للغاز ستزداد، ويجب ألا يخيف هذا الأمر الأوربيين بل ينبغي أن يدفعهم إلى الثقة والتعاون مع روسيا، وأن يثقوا تماما بأن روسيا لن تسمح للسياسة بأن تسود تعاملاتها التجارية والاقتصادية.
جامعة سيبيريا