تعكس التصريحات والمواقف المتخبطة التي تصدر عن المسؤولين الأميركيين حول الصراع الدائر في العراق ومستقبل مساراته مدى ضعف الموقف السياسي للولايات المتحدة، في هذه القضية بالذات، رغم جبروتها العسكري والاقتصادي، وتعكس كذلك ما هو أخطر من ذلك بالنسبة للشعب العراقي وهو مجهولية مستقبل بلدهم الذي تشهد ساحاته تمزقاً غير مسبوق يثير أشد القلق على ما ستأتي به الأيام.
ففي الوقت الذي تصدر عن البنتاغون تصريحات تشير إلى اعتزام إدارة الرئيس بوش سحب جزء كبير من القوات الأميركية العاملة في العراق منتصف عام 2008، يصرح الجنرال ديفيد بيترايوس، القائد العسكري الأميركي الأعلى في العراق، بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى مدة تقرب من عشر سنوات لكسب الحرب فيه.
وفي هذا السياق أبدى مجموعة من القادة العسكريين النخبويين، ممن يحملون تجربة الولايات المتحدة المرة في فيتنام، قلقهم مما يجري في العراق وأشاروا بأن أمام قوات بلادهم فرصة ستة شهور لتربح الحرب، وخلافاً لذلك فإن عليهم مواجهة وضع أقرب إلى الوضع الذي واجهته الولايات المتحدة في فيتنام، في ستينيات القرن المنصرم، هزائم تترتب عليها خسائر باهظة في الأموال والأرواح وخسائر أكبر من ذلك بكثير تنال سمعة الولايات المتحدة وتحط من هيبتها الدولية وتسهم في تراجع الثقة بمنظومة القيم التي تسعى إلى تسويقها لدول العالم، خاصة دول الشرق الأوسط، ويترتب على هذه الخسائر انحسار كبير في الدعم السياسي والمعنوي الذي تحتاجه الإدارة الأميركية من الشعب الأميركي نفسه للاستمرار بهذه الحرب.
ويبدو أن ما صدر عن البنتاغون من تصريحات يهدف إلى تعزيز الموقف السياسي لإدارة الرئيس بوش و التخفيف من الضغوط التي تتعرض لها هذه الإدارة سواء داخل الكونغرس ذي الأغلبية الديمقراطية المعارضة لسياستها في العراق أو الرأي العام الأميركي الذي يتزايد استياءه وسخطه مع تزايد التورط الأميركي و مع ارتفاع حصيلة الضحايا الأميركان في العراق.
فالجنرال بيترايوس أكثر قرباً إلى الواقع في قراءته لمستقبل ما يجري في العراق من منظري البنتاغون الذين اعتادوا على لي أعناق الحقائق بالطرائق الميكافيلية للوصول إلى صيغة تخدر الرأي العام، الأميركي خاصة، وتبعده عن رؤية حقيقة ما يجري على أرض الواقع.
ففي دراسة أكاديمية هامة قامت بإجرائها الأستاذة والباحثة في الشؤون الدولية باتريشا سوليفان من جامعة جورجيا الأميركية، نشرت في يونيو المنصرم، توصلت فيها إلى نتيجة ملفتة للنظر مفادها بأن احتمال كسب الولايات المتحدة لحربها في العراق على مدى العشر سنوات القادمة لا يتجاوز 26%.
وقد استندت هذه الدراسة إلى نموذج قامت الباحثة باستخلاصه من خلال دراسة حالة 122 صراعاً، اندلعت في مناطق متفرقة من العالم منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، واجهت فيه دولاً عظمى: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي السابق وروسيا لاحقاً والصين، قوى أضعف منها كثيراً بعضها كان دولاً صغيرة وبعضها تجمعات أقرب إلى الميليشيات وبعضها جماعات إرهابية. وقد نجح هذا النموذج في التنبؤ بنتيجة الصراع في 80% من الصراعات التي أخضعت للدراسة والتحليل.
وتبين من خلال هذه الدراسة عجز الدول العظمى المتفوقة عسكرياً، التي ذكرت سابقاً، عن الفوز بنسبة 39% من الصراعات العسكرية التي خاضتها ضد دول أو أطراف أقل قوة على مدى الستين سنة المنصرمة.
فالتفوق العسكري الساحق المدعوم بالنفوذ السياسي والقوة الاقتصادية التي تتمتع بها الدول العظمى لم يساعدا هذه الدول على تحقيق أهدافها بسحق هذه الحركات لأسباب عديدة تختلف حسب طبيعة الصراع ومكان حدوثه وزمن وقوعه. ومن بين أبرز العوامل التي تسهم في ترجيح كفة هذا الطرف أو ذاك:
1. الهدف من الصراع، فالصراعات التي تهدف إلى القضاء على الحركات التحررية للشعوب غالباً ما تفشل.
2. مكان الصراع ومدى قربه أو بعده عن دولة عظمى أخرى تتعاطف مع الطرف الأضعف في الصراع.
3. طبيعة الصراع وإمكانية الدولة العظمى في تحقيق هدفها الإستراتيجي باستخدام القوة العسكرية فقط.
4. توافر القيادات المؤهلة على إدارة الصراع إستراتيجياً ولوجيستياً.
5. مدى التعاطف الإقليمي والدولي مع هذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراع ومدى ترجمة هذا التعاطف إلى مساندة فعلية: سياسية أو مالية أو عسكرية أو غيرها.
6. وجود حلفاء محليين لأطراف الصراع، فالدولة العظمى في حالات نادرة تجد حلفاء أقوياء محليين، وإن وجدت، فمن الحكمة أن تعتبر ذلك تحالفاً طارئاً هشاً عرضة للتفكك.
7. شرعية استخدام القوة في حسم الصراع، رغم أن في هذه القضية إشكالات كثيرة سياسية وقانونية وأخلاقية يمكن أن يجري الالتفاف حولها، إلا أن من الصعب إدامة ذلك إذا طال أمد الصراع.
8. خسارة الدولة العظمى لثقة الشعب الذي يجري على أرضه هذا الصراع، فالدولة العظمى غالباً ما تخفي أهدافها الحقيقية من التدخل و تضعها في صيغ أخرى تغطيها مساحيق التجميل التي سرعان ما تزول حين تجرفها الدماء التي تنبثق من أشلاء الضحايا والدموع التي تذرف من مآقي الذين يكتوون بعذاباتها من أبناء الشعوب، فتتحول القدرات الدفينة لهذه الشعوب إلى أبعاد لوجيستية فائقة الأهمية للطرف الأضعف.
9. التباين في طبيعة الثقافة والتأريخ بين طرفي الصراع، فالصراعات التي اندلعت منذ الحرب العالمية الثانية كانت في غالبيتها بين الدول العظمى والأطراف الأضعف التي تنتمي في غالبيتها إلى محيط ثقافي متباين وتأريخ مختلف.
10. المرونة السياسية والقدرة على المناورة، لدى قادة الصراع، في المحاور الأساسية التي تعزز الموقف اللوجستي في الصراع.
11. توافر الموارد التي تديم القدرات على خوض الصراع.
في صراعات من هذا النوع، بين دول عظمى وحركات صغيرة، حيث تتقلص ساحات المعارك الشاسعة التي تلتقي فيها جيوش جرارة لتصبح أزقة ضيقة صعبة المسالك، يتم تحييد معظم الأسلحة المتطورة ذات القدرة الكبيرة على التدمير، فلا مكان لاستعمالها لعدم وجود هدف واضح يتناسب مع قدراتها، بل ان القوة العظمى تصبح في حالة استخدام هكذا سلاح عرضة للإدانات الدولية لأن استخدامه يعرض حياة وممتلكات عدد كبير من المدنيين للخطر. هذا في الوقت الذي تصبح فيه قوات هذه الدول العظمى هدفاً سهلاً أمام الطرف الأضعف في الصراع فهي تقاتل مكشوفة الهوية أمام الآخرين وفي أرض لا يمكن اعتبارها أرضاً صديقة.
إن دراسات أكاديمية من النوع الذي أجرته الباحثة سوليفان، رغم أهميتها، لا تقرع نواقيس الخطر أمام واضعي إستراتيجيات وراسمي سياسات الدول العظمى، ففي صراعات من هذا النوع لا يكون هنالك رابح تماماً أو خاسر تماماً إلا في حالات قليلة، حين لا يكون فيها للدولة العظمى مصالح كبيرة الأهمية في المكان الذي تتدخل فيه أو حين تكون قد ارتكبت خطأً إستراتيجياً كبيراً في حساباتها.
فمعظم الصراعات التي اندلعت بعد الحرب العالمية الثانية، وهي الفترة الزمنية التي شهدت تأسيس منظمة الأمم المتحدة ومنظمات إقليمية أخرى، قد انتهت بجلوس أطراف الصراع إلى مائدة المفاوضات مع وسيط من المنظمة الدولية أو من منظمة إقليمية أخرى أو وسيط من دولة عظمى أخرى. وكان من نتائج تلك المفاوضات أن تحقق للدولة العظمى، الطرف الأقوى في الصراع، بعض الأهداف من دخولها في هذا الصراع.
إن أهداف الولايات المتحدة من التدخل في الشأن العراقي كثيرة إلا أن أبرزها هو السيطرة على المفاتيح التي تمكنها من الإنفراد في رسم إستراتيجية الطاقة على المستوى الدولي، والتي تتمكن من خلالها ضمان بقائها القوة العظمى الوحيدة في العالم خلال ما تبقى من عمر العصر النفطي الذي قد يمتد إلى بضعة عقود أخرى من الزمن، فالعراق يمتلك ثاني أكبر خزين للنفط في العالم.
وأعتقد بأنه لا يخفى على من يتابع الشأن العراقي ويراقب التطورات التي تحدث خلف كواليس مسارحه ملاحظة الضغوط الكبيرة التي تمارسها الولايات المتحدة على مختلف المؤسسات العراقية، ومنها المجلس النيابي الذي اضطر إلى تقليص إجازته السنوية، بغية الإسراع في إقرار قانون النفط والغاز الجديد ووضعه في إطار شرعي يلزم أية سلطة تنفيذية على الأخذ به لاحقاً.
كاتب عراقي