الكاتب الأميركي فرانسيس فوكوياما في كتابه الشهير «نهاية التاريخ» الذي وضعه عام 1993 بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي اعتبر أن الاشتراكية قد ماتت وأن الأنظمة الشمولية في طريقها للانقراض وأن المسار الحتمي للتاريخ سينتهي عمليا بإقامة أنظمة ديمقراطية ليبرالية في كل دول العالم، وأنه لن يكون في هذا العالم الجديد مكان للحروب والصراعات بل سينعم العالم بالاستقرار ويكرس كل جهوده للتنمية.
لا يهمنا هنا مناقشة ما قاله فوكوياما في نظريته التي استغرقت اهتماما كبيرا من الباحثين والمحللين ومن الذين صدقوها وتصوروا بالفعل أن العالم الجديد الذي بشر به فوكوياما تتحمل مسؤولية تأسيسه وبنائه الولايات المتحدة الأميركية وحدها دون غيرها، وبناء عليه يبررون لها كل ما تفعله الآن من حروب ودمار وقتل وتخريب وإبادة للشعوب الأخرى.
السؤال الذي يهمنا هنا هو: «هل حقا انتهت الاشتراكية وذهبت بلا رجعة»؟
الواقع أن الحكم على الاشتراكية وعلى نظريات وأفكار كارل ماركس وغيره من فلاسفة الاشتراكية من خلال التجربة السوفييتية أو الصينية أو غيرها من التجارب المعاصرة التي عشناها في القرن العشرين يعتبر في حد ذاته حكما غير موضوعي ولا علمي، ولا ننسى هنا أن ماركس نفسه عندما كتب عن الرأسمالية والحتمية التاريخية لانفجارها وانهيارها على يد الاشتراكية لم يكن يتصور على الإطلاق أن تنطلق أفكاره هذه على أرض الواقع من بلدان مثل روسيا والصين.
بل على العكس كان يرى أن أكثر البلدان ملاءمة لهذا الأمر هي أوروبا الغربية وخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا اللاتي تنمو فيها الرأسمالية وتستفحل وتتوحش مع اندفاع عجلة الإنتاج الصناعي التي تدر أرباحا هائلة ومتزايدة باستمرار وأكبر مئات المرات مما يدره النظام الإقطاعي الزراعي في دول مثل روسيا والصين، ولهذا وضع ماركس عبء المسؤولية في بناء المجتمع الجديد كاملة على أكتاف طبقة واحدة هي طبقة العمال (البروليتاريا) وهي الطبقة التي كانت شبه منعدمة في روسيا والصين عندما قامت فيهما الثورة الشيوعية.
بدون الخوض في النظرية الماركسية نود هنا أن نقول إن التوحش الرأسمالي الذي تحدث عنه ماركس لم يكن قد ظهر بعد عندما اندلعت الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، فقد كانت الأنظمة الرأسمالية الصناعية الكبرى في العالم ما زالت بعد في طور التكوين تبحث عن مصادر للطاقة والموارد الطبيعية من أجل التصنيع وتخوض حروب وتنفق الكثير على المستعمرات من أجل البحث عن هذه المصادر، وقد أنهكتها هذه المستعمرات واستنفذت الكثير من طاقاتها بالقدر الذي أعاق نمو الرأسمالية للدرجة التي كان يتوقعها كارل ماركس والتي تسمح بظهور الاشتراكية وتمسك الشعوب بها والنضال من أجلها.
الآن وبعد أن تطور العلم لدرجة لم تكن متوقعة في هذه الفترة الزمنية القصيرة تغير العالم بشكل جذري زاد فيه ثراء أصحاب رأس المال بدرجة متوحشة وزاد معه أيضا فقر الفقراء وعددهم بدرجة تنذر بالانفجار، ولم يكن طرح العولمة إلا نتاجا طبيعيا لهذا التطور الحاد والمتسارع، وما نشاهده من مظاهر رفض لمشاريع العولمة داخل كبرى المجتمعات الرأسمالية وخاصة الديمقراطية منها ما هو إلا دليل على بداية غليان البركان الذي نبأ به كارل ماركس في نظريته.
فقد ظهرت في هذه المجتمعات طبقة جديدة من أصحاب النفوذ المطلق الذين لا يخضعون لقواعد الديمقراطية وقوانينها ويلتفون حول الأنظمة الحاكمة ويوجهونها من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة المكرسة لزيادة ثرائهم ونفوذهم بشكل غير متناه، هذه الطبقة الجديدة يطلق عليها المفكر الفرنسي الشهير «إيمانويل تود» في كتابه «ما بعد الإمبراطورية» اسم «الأوليجارشية» أي النخبة المميزة فوق الشعوب والقوانين والمبادئ.
هذه «الأوليجارشية» نراها بوضوح الآن في المحافظين الجدد وأباطرة النفط والصناعة في الولايات المتحدة وبريطانيا، وهي الفئة التي وصل استفحال وتوحش رأس المال معها إلى درجة أنها أصبحت تصنع الأعداء من أجل خوض الحروب التي تدر أرباحا وعوائد خيالية، ولا يهمها هنا دماء الملايين من الأبرياء من شعوب العالم الفقيرة، ولا يهمها حتى شعوب بلدانها، أميركا وبريطانيا وغيرها، فكل شيء عند هذه الفئة مباح من أجل المال بما فيها الكذب والقتل والدمار وإبادة الشعوب بدون أي مبرر.
لا نتصور أن يكون المجتمع الديمقراطي الليبرالي العالمي الذي تنبأ به فوكوياما كنهاية حتمية لتاريخ الديكتاتوريات يمكن أن يصمد كثيرا في ظل سيادة هذه الفئة «الأوليجارشية»، بل على الأرجح نتصور أن تكون هذه هي بداية غليان الثورة الاشتراكية التي تنبأ بها ماركس وتوقع لها أن تندلع في أكثر البلدان توحشاً في الرأسمالية.