المشتغلون بعملية الاستخبارات لا يسعدهم كثيراً أن توصف مهنتهم في التجسس وجمع المعلومات بأنها ثاني أقدم حرفة في التاريخ ـ ورغم أن الوصف المذكور يؤكد عراقة المخابرات ـ الجاسوسية إن شئت ـ إلا أنه يقرنها بداهة بالحرفة الأولى وهي البغاء بكل سقوطها وبشاعتها.
وفي كل حال فإن تجنيد العملاء واستخدام الجواسيس، أو هو عملية بث العيون والأرصاد كما يقال في الأدبيات الكلاسيكية أو نشر البصّاصين كما يقول ابن إياس مؤرخ مصر المملوكية ـ أمور يستوجبها نظام للحكم يسهر على أمن الرعايا ويعمل على الحفاظ على حياض الوطن من تربص الخصوم ومكائد الأعداء.
ومع تطوّر الدولة الحديثة، وزيادة تشابك المصالح وتعقيد العلاقات الدولية المعاصرة، كان لا بد من إضفاء الطابع المؤسسي على الهيئات الموكلة برصد حركة الأعداء ومحاولة قطع الطريق على ما قد يرسمونه من مخططات وما قد يحيكونه من مؤامرات. هنالك تحولت مسألة تسقّط الأخبار إلى حيث أصبحت تُوصف بأنها جمع المعلومات بوسائل شتى ومن مصادر متباينة:
منها العلني ومنها بالذات المصادر السرية التي تستوجب عمليات التجنيد والتدريب والضبط والتماس أوجه الخلل في نفوس من يقع عليهم الاختيار من أجل شراء ذممهم وولاءاتهم، ولا بأس من تعريضهم لعمليات غسيل الدماغ سواء باستخدام مكامن الضعف في أنماط السلوك، أو بإخضاعهم إلى مؤثرات أيديولوجية سواء بالانحياز إلى مذاهب اليمين أو عقائد اليسار.. أو ببساطة مباشرة بشراء معلوماتهم لقاء مبلغ مرقوم ومدفوع.
في غمار هذه المفاهيم والملابسات تطورت مؤسسات - وكالات الاستخبارات الحديثة، وتسللت مسمياتها ولافتاتها إلى ميديا الإعلان العلني وخاصة خلال سنوات الحرب الباردة بين عقدي الخمسينات والتسعينات من القرن العشرين - ولهذا تسامع العالم بوكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي. آي. إيه) وبمنافستها العتيدة والعنيدة - لجنة أمن الدولة السوفيتية - الكي. جي. بي. كما عرفها الناس.. هذا فضلا عن المكتب الثاني الفرنسي أو الموساد الصهيوني أو هيئة إم 15 البريطانية وغيرها.
وعندما أدلت هوليود بدلوها في لعبة الاستخبارات.. وخاصة في سلسلة أفلام جيمس بوند الشهيرة، أضفت السينما الأميركية - والعالمية أيضاً لمسات وظلالاً من الوهم الفني وأجواء شبه أسطورية في إطار تصويرها لعالم المخابرات شبه السحري، وخاصة فيما يتعلق بالعمليات السرية - عمليات العباءة والخنجر كما تُعرف في أدب المخابرات أو هي «العمليات القذرة» على نحو ما يردده بشأنها أهل الصنعة أنفسهم..
بمعنى العمل تحت الأرض واتباع اساليب المخاتلة والمراوغة وحروب الخداع والتمويه والدهاء، وعدم التورع عن انتهاج أساليب الغواية الجنسية والرشوة المقدمة عيناً أو نقدا، ناهيك بأساليب الابتزاز والإرهاب المعنوي واستباحة الدماء والأنفس، سواء في سبيل الحصول على معلومات تشكل خطورة على أمن القوى أو لدرء مخططات الخصم وكشف ما يبيته بليْل ضد هذا الأمن القومي.
ولأن وكالات ومنظمات الاستخبارات تستخدم بشراً، فهم بحكم التعريف معرضون للخطأ والصواب.. وللاستقامة أو الانحراف.. هنا كان لازما أن تُحدد مسؤولية مثل هذه الأجهزة بمعنى أن تتاح مساءلتها أمام كيانات وهيئات وسلطات دستورية مختصة تراجع دفاترها السلوكية والمالية والسياسية وتحقق في مدى فعالية الضوابط التي تنظم حركة العاملين فيها والمنتسبين اليها وبما لا يشكل بالطبع تعديا على السرية أو مساسا بالأمن القومي.
ومن الايجابيات التي ما برحت مذكورة في سجل النظام الأميركي ما لجأت اليه دوائر كونجرس الولايات المتحدة من مراجعة شاملة لسلوك المخابرات الأميركية بعد انقضاء حرب فيتنام. وتمت هذه المراجعة في إطار ما عُرف في منتصف السبعينات باسم «لجنة تشيرش» التي قادها وقتها السناتور فرانك تشيرش عضو مجلس الشيوخ، واصدرت تقريرها الذي دوّت محتوياته في أركان المجتمع الأميركي منددا بتجاوزات المخابرات المركزية وخاصة عندما تعدت اختصاصاتها صون الأمن للبلاد إلى التورط في تدبير أكثر من انقلاب لنظام الحكم في اكثر من بلد..
ما بين غواتيمالا إلى شيلي وما بين كوبا (ضد كاسترو) إلى ايران (ضد حكومة الدكتور مصدق الوطنية). وبعدها صدرت المراسيم في عهد رئاسة جيمي كارتر بحظر مشاركة المخابرات المركزية في تدبير عمليات اغتيال زعماء الدول الأجنبية وقادتها.
وكان أن أفضت مثل هذه المحظورات إلى ما يشبه عملية انضباط، وربما تحجيم، هيلمان الوكالة المركزية وما في حكمها من وكالات وهيئات التجسس والتصنت وجمع المعلومات وقد بلغ قوامها في أميركا ما يقارب الثلاثين هيئة ووكالة، الأمر الذي دفع الرئيس الأميركي الحالي بوش إلى أن يبادر مؤخرا إلى تعيين شخصية بارزة تتولى الإشراف والتنسيق بين هذه الدوائر والوكالات بعد أن أنشأوا له منصبا يدل مسماه الوظيفي على ما يتمتع به من سطوة وهيلمان وهو «قيصر.. المخابرات».
والحاصل أن أهداف الانضباط والتحجيم كادت تتحقق على مدار عقد التسعينات، وخاصة بعد زوال الخصم السوفييتي وبالتالي تصدع وانهيار مؤسسة الكي. جي. بي. ذات السمعة الاسطورية خلال الحرب الباردة، وكان أن ذهبت استخبارات موسكو السوفييتية إلى زوايا التاريخ ولم يبق منها سوى ذكريات ما زالت محفوظة في دفاتر الحوليات.
بالاضافة إلى شواهد وإشارات يحفل بها ارشيف أفلام هوليود، ثم شائعات تحمل اتهامات متناثرة في الهواء الأوروبي وتفيد بأن الوكالة الروسية ما زالت تقتصّ من مستخدميها الذين انشقوا عليها ولجأ بعضهم إلى دول الغرب حاملا معه أخطر الاسرار. وربما يكون الميراث المحوري الوحيد لمؤسسة الكي. جي. بي. هو الرئيس الروسي شخصيا، فلاديمير بوتين الذي كان كما هو معروف في طليعة الكوادر التي تربت في احضان مؤسسة الاستخبارات السوفييتية السابقة.
وفي ظل رئاسة كلينتون نعمت أميركا بحالة من الهدوء والسلام النسبي فأصبح صوت الاستخبارات أشد خفوتا.. وكادت أنشطتها تتوارى إلى الزوايا الخلفية من مسرح الأحداث، ولكن صاعقة الحادي عشر من سبتمبر.. من جهة، ودعوات وكتابات عصبة المحافظين الجدد في واشنطن من جهة أخرى، أدت إلى استدعاء وكالات الاستخبارات وهيئات جمع وتحليل المعلومات إلى مقدمة الصورة من جديد وبدرجة يراها راصدو المشهد الأميركي الراهن أمرا غير مسبوق. لماذا؟
لأن معاودة النشاط التجسسي الأميركي وزيادة تواتره وتفعيله إلى درجة الحمى في بعض الأحيان، لم تقتصر هذه المرة على رفع الاعتمادات المالية المرصودة، ولا على مشاركة مدير الوكالة المركزية (السابق) «تينيت» ومن جاء بعده في رسم الخطط الاستراتيجية عند أعلى مستويات صنع القرار في واشنطن، بل تعدى الأمر إلى ما أصبح هؤلاء المراقبون يخشونه وهو المشاركة على نطاق واسع ومتوسع من جانب وفعاليات القطاع الخاص في عمليات الاستخبارات.
صحيح أن القطاع الخاص ظل على طول الخط مصدرا للمعلومات وموردا لتجنيد العملاء. لكن الصحيح أيضا أن ضلوع عناصر القطاع الخاص في التعاطي إلى هذا الحد البالغ مع قضايا تمس الأمن القومي والعلاقات الدولية بل ومصائر أمم وشعوب - كل ذلك يؤدي إلى وضع هذه القضايا الجوهرية وتلك المقاليد والمصائر في أيدي عناصر من الآحاد أو من المؤسسات غير الخاضعة لأي مساءلة أمام أي سلطة شرعية وغير مسئولة ازاء أي هيئة دستورية، فالمخابرات المركزية بكل سطوتها خاضعة في التحليل الأخير لقانون صادر يجعلها مسئولة أمام البرلمان، في حين أن الشركات الخاصة ليست مسئولة إلا في حدود اللوائح البلدية او النظم الجمركية أو قواعد السجل التجاري وما إليها.
ولأن فكر المحافظين الجدد مشغول إلى حد التوحد والتماهي بحكاية مشاركة القطاع الخاص في كل نشاط، فقد شهدت الآونة الأخيرة توسعا إلى حد الاستشراء المخيف والخطير في الاستعانة بالشركات الخاصة - وهي في نهاية المطاف شركات تشغيل المرتزقة للقيام بأنشطة استخباراتية تمس الأمن القومي للولايات المتحدة وفي الصميم وتتعلق أيضا بحياة وأمن شعوب أخرى خارجها.
وهذا هو الذي يدفع النخبة المثقفة من مفكري أميركا وساستها إلى التحذير من مغبة الإمعان في وضع مثل هذه القضايا الحيوية في يد عناصر من القطاع الخاص لا يهمها سوى تحقيق أرباح طائلة ولا تثريب عليها في هذا المقام.
ولقد نصادف أبلغ تعبير عن هذا الاتجاه التحذيري من واقع الدراسة التي نشرها مؤخرا الكاتب الأميركي «باتريك كيف» «وهو زميل باحث في مؤسسة سنشري» (نيويورك تايمز ـ عدد 25/6) حيث تحمل الدراسة عنوانا يجمع بين نكهة الطرافة وبلاغة الدلالة ويقول فيه الكاتب: ش=«لا تخصخصوا جواسيسنا».
وفي الدراسة يشير الكاتب إلى عشرات البلايين التي تربحها شركات المقاولات ويجنيها مقاولو مشاريع وأنشطة التجسس وجمع المعلومات، ويعرض للملاحظة التي أبدتها لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي حيث وجهت اللوم إلى الوكالة المركزية بسبب زيادة اعتمادها على مقاولي ومتعاقدي القطاع الخاص، ثم يطالب الكاتب بأن يسن الكونجرس مزيدا من التشريعات الشاملة التي تنظم هذه العمليات للحيلولة دون تضارب المصالح ولتمكين أجهزة الحكومة من الاحتفاظ بالكفاءات التي صقلتها ودربتها بدلا من انتقالها لممارسة نفس المهام عند مقاولي القطاع الخاص طمعا في أجور فلكية وامتيازات لم يسبق لها مثيل.