لا يختلف شخصان على اننا نعيش صراعًا حضارياً يتخذ فيه مركز القيادة قطبين أساسيين يتقاربان من حيث عدد حروف اسميهما لكن تفصل بينهما أنهارُ وجبالُ ووديان.. شرقٌ وغرب.وما لا يمكن أن يناقشه اثنان التسليم بأنّ الآثار، الّلغة التقاليد القيم والهندام كلّها مفاتيحُ ذهبيّة رئيسيّة لهذا الصندوق الأثريّ القديم الذي يحفظ في طيّاته تاريخ وإرث وثقافة الأوطان.

ومما لا شك فيه أيضًا أننا أبناء الحاضر،أبناء الانفتاح الحضاري، أبناء هذا العصر أبناء القرن الواحد والعشرين حيث المعلوماتيّة والمكننة والتكنولوجيا مفاتيحُ أخرى تفتح أبوابًا ضخمة لا قيود لها ولا جدران... هنا يطرح السؤال نفسه. هل إثبات الذات في ظل العولمة أو إذا صحّ التعبير الثورة الحضاريّة الشاملة تعني التخلي عن الهوية وإنكار الشخصيّة العربيّة المتوارثة منذ أقدم العصور؟ وهل مساندتنا للعصرنة إذا صحّ التعبير وانجرافنا مع تيارها بإرادتنا خطيئة نحاسب عليها ويطعن من خلالها بقوميتنا، أصالتنا الشرقيّة وعراقتنا العربيّة.

البحث في هذه القضيّة ومناقشة تفاصيلها سوف يبدو كمن يدور في حلقة مفرغة، وكمن يبحث عن هرم «خوفو» بالقرب من أبراج الإمارات، فمنذ الثورة الصناعيّة في أوروبّا تبدلت الرؤى والمفاهيم على كافّة الأصعدة في العالم أكان فكريًّا أدبيا فنيا اقتصاديا وحياتيا. ظهر العديد من المصلحين الاجتماعيين كالشيخ محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي .. وعلى الرغم من ثورة الاصلاح التي سادت في ذاك العصر نجد أنفسنا في حقبة من الانحطاط الثقافيّ والاجتماعي.

هذا التغير تناول نمط حياة وفرض أسلوب تفكير جديد أصبح يؤمن به الجيل الصاعد! فلم ينحصر الصراع بين هذين العملاقين السابق ذكرهما بل تعداهما إلى أفراد المجتمع الواحد. لطالما نبّهني أساتذتي أن أدعّم كتاباتي بأمثلة ولطالما كنت التلميذة المثاليّة المطيعة. أعذروني يا أساتذة لن أنصاع هذه المرّة لنصائحكم، أخاف أن يُصبح مقالي رديئًا وخفيفًا.

أيّ مثل أعطي؟ ماذا أقول؟ أصبح الضمير الإنسانيّ يتعرّى على المسارح في حين القنابل العنقوديّة تعرّي أطفالنا في العراق ولبنان وفلسطين.

ماذا أقول؟ أصبح محمّد عبد الوهاب وكوكب الشرق أم كلثوم قصائد بالية، وغيرهم ملوكُ متربّعون على عرش الفنّ والطرب الأصيل؟

ماذا أقول؟ لن أتابع القول فقد دخل مقالي منطقة الخطر.

الحديث يطول إذا ما أردنا التدقيق والبحث في الحيثيات لأنّنا في مواجهة عقل بشريّ طاف البحار فغاص في الأعماق، غزا الأرض فلمس الجذور، حلّق في الفضاء فطار إلى ما فوق النجوم والأقمار. بكلمةٍ واحدة مهما نقد الكتّاب ومهما أرخ المؤرخون وناقش السياسيّون سوف نجد أنفسنا دائمًا ندور في هذه الدوّامة المفرغة، ندور وندور ولن نقف عند مركزٍ واحدٍ. فالعالم في غليانٍ مستمر مبني على التناقضات وعلى الصراعات.

لو لم تكن فتح لما كانت حماس، ولو لم يكن الجمهوريون لما كان الديمقراطيّون، لو لم يكن القويّ لما كان الضعيف و لم تكن فلسطين لما كانت إسرائيل ولو لم تكن الصحافة لما كانت الأقلام الحرة.

لذلك الجواب على الأسئلة ليس في أن نكون أو لا نكون.

عندما أحافظ على هويتي، أكون عندما أعترف بأصالة قصائدي، عندما أبلور ثقافتي أكون عندما أفتخر بعروبتي عندما أؤمن بعقيدتي، أكون عندما أعرف قيمي والأهمّ أنّي لا أكون أقول لا أكون إذا ما كان غيري.

من هنا أتى عنوان مقالي قرشُ أم إرث؟

هل التراث والقيم والتقاليد قرش يأكلنا ويفصلنا عن محيطنا في زمن العولمة، أو هو إرث يخلّدنا ويحفظ تاريخنا؟

يقول الفيلسوف اليونانيّ أرسطو:الفضيلة وسطُ بين رذيلتين. لعلّ هذا الوسط يكون مفتاح نهوضنا في ظلّ هذه التناقضات والتفاعلات إذ إنّ الأطراف معرّضة للانهيار دائمًا.

والآن يا قرائي قرش أم إرث؟ أم وسط؟

كاتبة لبنانيّة