درسنا في كتب التاريخ عن لبنان، وقرأنا ما كتبه عنه الشاعر الفرنسي «لامارتين»، جبران خليل جبران، سعيد عقل وغيرهم كثر، ترسخت في عقولنا مفاهيم ورموز لطالما رفعت رؤوسنا فافتخرنا بأرزنا وتاريخنا وقيمنا، وأصبحت عبارات شعب مضياف متعايش متضامن مع تعدديته الطائفية عناوين بارزة في التعريف عن هويتنا.

هذا لبنان!!!

مع تسارع الأحداث وتفاقم خطورة الأوضاع السياسية على الصعيد العام ولاسيما في المنطقة العربية تغيرت المفاهيم وانقلبت المقاييس، ضاعت الأسماء وتفجرت أشلاء مع كل قنبلة تهز كيان الوطن. أصبح المضياف كالرجل الخشبي الذي يوضع في حقل الزرع ليخيف العصافير. أصبح مفهوم التعايش بندقية أرفعها في وجه جارٍ وقنبلة أفجر فيها بيته وسكيناً أطعن فيها أطفاله. التعددية الطائفية أصبحت آفة تتغلغل في صميم هذا الكيان لتجعل منه الرجل المريض العاجز عن النهوض من المسؤول؟

لن أشير بالأصابع لا إلى هذا ولا إلى ذاك، أخاف أن أعد من المتطرفين، سوف أدخل في صلب الموضوع وإلا أصبح عنوان مقالي بلا مضمون. استفيقوا يا أيها السادة، يا أيها الرؤساء، يا أيها الكبار، يا من يمسكون بالقرار!

لماذا أكثر من نصف شبابنا في الخليج، وخاصة في الإمارات انظروا دبي أصبحت حلم كل شاب وشابة، ألأنها غنية بالثروات والأموال ورؤوس الأموال والمصانع وأضخم شركات العالم، ألأنها لا تشكل بوابة تجارية يتهافت إليها الطامعون كما في لبنان؟ من قال إنهم لا يطمعون، بلا لكن فيها حكاماً ودولة بالمختصر.

حرام هذا الشعب حرام هذا اللبناني الذي أينما وجد أثبت قدراته وتفوقه في كافة الميادين. حرام هذا الشعب الذي يشتت في كل الأنحاء باحثاً عن هويته من جديد، ماذا تريدون مخيمات لبنانية وكفاحا من أجل حق العودة.

يتهمون الأميركيين ويتهمون إيران وسوريا... هذا يسب ويشتم بشار وذاك يلعن بوش... والشعب الشعب يا أيها السجناء...

سجناء عقولهم المريضة، سجناء مصالحهم الخاصة، سجناء ضميرهم الميت!!

انظروا دبي يا قادة انظروا إلى عمرانها انظروا إلى ازدهارها، لماذا في كل يوم يعلو برج فيها يقابله تهديم أبراج في لبنان أقصد أبنية لا أدري إذا لدينا أبراج حتى.

لماذا يحتار اللبناني على أي عرض عمل سوف يوقع ومستوى المعيشة يتدنى في وطنه والحد الأدنى للأجور ينخفض هذا إذا توفرت الأجور! لماذا البطالة تقرع كل باب؟

هنا توضع استراتيجيات تنمية اقتصادية تجربة سياحية وهناك المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي تقفل أبوابها، والسواح أبعدوا لبنان عن خارطة الدول التي سوف يزورون هذا الصيف، حتى اللبناني في الاغتراب بات يحرم من رؤية أهله وأقاربه.

هنا صحراء قاحلة جعلوها جنة ولوحات تملأ ناظر كل من تأملها، ولبنان جنتنا نحولها جحيماً، صحراء قافرة ملؤوها مياهاً بحاراً وبحيرات ونحن أنهارنا ولوحاتنا أصبحت قفاراً، لست هنا لأشيد بنجاحات وتفوق دبي أو غيرها من الدول، ولا لأذم بلبناني أقول لبناني، لطالما كانت بيروت أم الشرائع، وسويسرا الشرق وعاصمة للموضة في الشرق ولا تزال في أعيننا لأننا جيل الحاضر جيل الحرب جيل عايش المأساة.

لكن أسأل ماذا عن أطفالنا ماذا عن أجيال المستقبل من سيخبرهم عن لبنان كتاب التاريخ الذي سوف يذكر كم شهيدا سقط من الجيش وكم مسؤولا اغتيل منذ عام 2005م كم عائلة تشردت وكم شهيدا وطفلا سقط إبان الحرب الوحشية في صيف 2006 و2007 والحبل على الجرار كما يقولون. من سيخبرهم عن لبنان؟ لبنان مهد الحضارة، لبنان حروف الأبجدية... لبنان أرز الرب.. لبنان أجراس الكنيسة وآذان المساجد.

من سيخبرهم أنه لا فرق بين مسلم ومسيحي بين يميني ويساري؟

استفيقوا يا حكامنا يا زعماءنا يا من نصبتم كي تدافعوا على القرار يا أولياء... عذراً إذا نسيت إحدى التسميات لا أقصد الإهانة، مع أني أعلم أن هذه الألقاب خبزكم اليومي الذي تتغذون منه.

يقال الحل في الحوار والطاولة المستديرة وعند الأمم المتحدة وفي شرم الشيخ والرياض، اعذروني يا أولياء القرار الحل داخل نفوسكم وفي أعماق عقولكم والحقيقة أمام بصيرتكم.

أعيدوا لنا ثقافتنا! أعيدوا لنا لبنان!

لا نريد أن ننظر إلا إلى لبنان.

كاتبة لبنانية