ظهر الأربعاء الماضي رحل أشرف مروان عن الدنيا وأخذ معه أسراره، ولأنه ظل رجلا غامضا طوال حياته، فقد كان رحيله أكثر غموضا، مجرد سقوط من شرفة منزله في لندن مثلما حدث من قبل مع الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري للرئيس السادات، وسعاد حسني الممثلة الاستعراضية الشهيرة والتي كانت على علاقة في فترة ما من حياتها بجهاز المخابرات المصري.

كان مروان زوج الابنة الكبرى للرئيس عبد الناصر، ومع ذلك فإنه يحسب على السادات أكثر من غيره، ففي عهده تولى منصب مدير مكتب الرئيس للمعلومات (بين عامي 1970 و1974) ثم منصب رئيس الهيئة العربية للتصنيع (1974- 1979)، وظل حتى سنوات قليلة يعرف بأنه رجل أعمال أو أحد كبار تجار السلاح الذين يحيطون أنفسهم بغموض أكثر من رجال المخابرات.

لكن كتابا أصدره إيلي زعيرا رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الاسرائيلي بعنوان (حرب يوم الغفران، الواقع يحطم الأسطورة) عام 2000 بدأ يثير الجدل حول العميل «بابل» الذي اعتبره الموساد أكبر اختراق للمستويات العليا في السلطة المصرية ثم اعتبرته دوائر إسرائيلية أكبر إخفاق في تاريخ ذلك الجهاز وانتصارا للمخابرات المصرية قد يفوق زرعها لرفعت علي الجمال الذي اشتهر إعلاميا باسم رأفت الهجان.

ويبدو أن مروان كان من الحكمة والحصافة لدرجة أنه ترك إسرائيل تغلي على مدى سنوات دون أن ينطق ببنت شفة قد يتضح منها ما إذا كان جاسوسا مزدوجا أم خدعة كبرى انطلت على جهاز الموساد وكانت واحدة من أسباب انتصار مصر المدوي عام 1973.

كما أن مصر لم تعلق أبدا على الأقاويل الإسرائيلية، وظلت تتعامل مع مروان باعتباره واحدا من كبار المسؤولين السابقين الذين قدموا خدمات للبلاد، ففي عام 2004 التقى بالرئيس مبارك واحتضنه بحميمية، وفي عام 2007 دعي إلى حفل زفاف جمال مبارك، وفي تشييع جنازته شارك كبار المسؤولين المصريين بما يعد نفيا مبطنا لحكاية عمله كجاسوس مزدوج لإسرائيل.

لاشك أن الإسرائيليين الآن يعيدون حساباتهم ويقلبون أوراقهم سعيا لكشف حقيقة الطعم الذي ابتلعوه، حيث يبدو أن الرئيس السادات اعتبره ركنا أساسيا في خطة الخداع والتمويه التي أقنعت إسرائيل بأن مصر لن تحارب قبل الحصول على مقاتلات تسمح لها بتهديد العمق الإسرائيلي وتدمير سلاح الجو الصهيوني وهو رابض على أرض المطارات مثلما حدث مع سلاح الجو المصري عام 1967، وسوريا لن تحارب بدون مصر.

وطبقا لما نشر في صحف إسرائيلية فإن مروان زود الإسرائيليين بمعلومات حقيقية وبعضها شديد الأهمية حتى يكتسب مصداقية تؤهله لتضليل تل أبيب في الساعات الحاسمة التي سبقت الحرب ومنها قصة رغبة العقيد القذافي في الانتقام لضحايا طائرة ركاب ليبية أسقطها سلاح الجو الإسرائيلي في فبراير 1973.

فعندما طلب القذافي من السادات مساعدته في التخطيط لانتقام سريع كلف السادات مروان بالمهمة، حينها تم الاقتراح على الزعيم الليبي بتكليف خلية تابعة لمنظمة التحرير بتفجير طائرة إسرائيلية في مطار روما، وبالفعل قام مروان بنقل صواريخ ستريلا مضادة للطائرات لهذه الخلية، وقبيل تنفيذ العملية بساعات قليلة أبلغ مروان الموساد فألقت قوات الأمن الإيطالية القبض على الخلية في مخابئها.

ربما كانت هذه الحادثة هي ما جعل الموساد يطمئن تماما لأشرف مروان، بل كبار مسؤولي الدولة الصهيونية الذين غالبا ما كانوا يسألون عنه بالاسم خلال الاجتماعات السرية، وما هي آخر المعلومات التي زود بها إسرائيل.. ورغم يقين المرء بأن مروان كان طعما بدليل صمت المخابرات المصرية عنه والحفاوة الرسمية به حيا وميتا، إلا أن توقيت تزويد إسرائيل بمعلومات معينة يجعل المرء في حيرة من أمره.

.فهو الذي ابلغ تل أبيب بهرولة نساء وأطفال الخبراء الروس للخروج من مصر وسوريا، وكذلك ابتعاد القطع الحربية الروسية عن الموانئ المصرية يوم 4 أكتوبر، وهو الذي طلب لقاء رئيس الموساد في لندن على الفور يوم 5 أكتوبر وابلغ إسرائيل بأن مصر ستشن الحرب قبل مغيب شمس اليوم التالي. بالطبع هذه ألعاب خطيرة على الحافة، لن يفك لغزها إلا إفراج المخابرات المصرية عن حقيقة الدور الذي لعبه الرجل مثلما فاجأت الإسرائيليين برأفت الهجان.

magdishendi@hotmail.com