لا يكفي الحديث عن احتلال العراق وصراع السلطة في غزة والوضع الإنساني في دارفور وننسى ما هو أدهى من ذلك وأمر. فالكل بات مشغولا بالمسرحيات السياسية التي تدير العالم هذه الأيام، بينما هناك عدة سرطانات أخرى جديدة بدأت تتوالد وتنتشر في جسد البشرية دون أن يعيرها أحد أي التفاتة.

والكثيرون يعتقدون بأن العالم يتم تدميره شيئا فشيئا فقط بالكوارث الطبيعية (التسونامي والأعاصير) والسياسية (الحروب الأهلية) والاجتماعية (الفقر والأمراض) والبيئية (التلوث والاحتباس الحراري)، بينما هناك كوارث جديدة أخرى بدأت تضاف إلى مآسي إنسان القرن الثالث الميلادي وبدأت المنظمات العالمية تدق لها ناقوس الخطر، ولكن يبدو أن العالم متهم بالقضاء على الإرهاب وتأمين المصالح الخاصة وإشعال الحروب الطائفية أكثر من مستقبل البشرية نفسها.

فقد كشف التقرير الأخير الذي نشره يوم الأربعاء صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن عدد سكان المدن بحلول العام المقبل سيتعدى ولأول مرة في تاريخ البشرية عدد من يعيشون في القرى والأرياف. قد يبدو الأمر طبيعيا وعاديا وغير مثير للدهشة. والحقيقة أن عواقب مثل هذه الإحصائيات قد تكون مدمرة أكثر من الحروب نفسها. إنها مسألة تمس مليارات البشر خلال بعض عشرات السنين المقبلة إذا ما زال هناك عمر مكتوب لهذا الكوكب الذي يتصارع على سطحه أكثر من000, 000 ,50 0 ,6 كائن بشري من أجل الحياة (هذا الرقم هو إلى تاريخ 25 فبراير 2005 الساعة 7:15 مساء! وذلك وفق تقرير مكتب الولايات المتحدة للإحصاء).

فبحلول العام المقبل إذن سيعيش ما يقارب من الـ 3,3 مليارات نسمة أي أكثر من نصف عدد سكان العالم في وسط وضواحي المدن. وهذا الرقم شبه خيالي لو أنا علمنا بأن هذا العدد قد تضاعف أربع مرات منذ منتصف الخمسينات أي في أقل من 60 سنة! هذا إذا ما وضعنا في الاعتبار بأن عدد سكان الأرض يزداد في كل أقل من عُشر من الثانية.. وأن هناك حاجة لإطعام كل طفل ولد حتى لحظة كتابة هذه الكلمة، وهناك حاجة أكثر إلحاحا لتوفير قطرة ماء لكل الذين ما زالوا أحياء حتى كتابة هذه السطور! ناهيك عن متطلبات الحياة الأخرى الضرورية من ملبس ومأوى ورعاية صحية وتعليم... إلخ..

وفق تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان نفسه، فإنه في عام 2030 (أي بعد 22 سنة فقط) سيصل عدد سكان المدن إلى 5 مليارات فرد على حساب القرى والأرياف. وحيث ان الريف البسيط والفقير هو الذي ينزح إلى المدينة المعقدة والغنية فهذا يعني أن عدد الفقراء في المدن سيتضاعف بشكل ملحوظ وسيتضاعف معه الفقر والبيئة غير الصالحة التي سيعيشون فيها إضافة إلى نقص مياه الشرب وغلاء المعيشة وتحلل الروابط الاجتماعية وتضاعف عدد أطفال الشوارع والأيتام.

هذا يعني بالتالي أن الذي يعتبر غنيا في الريف لتدني مستوى المعيشة هناك سيصبح فقيرا في أقل من 24 ساعة بمجرد نزوحه إلى المدن الكبرى. وأنه سيصبح أكثر فقرا خلال الـ 48 ساعة التالية، لأنه سينفق كل ما في جيبه للمواصلات والوجبات السريعة والإقامة وكل متطلبات الحياة العصرية. أي أنه سيصبح معدما في أقل من شهر واحد.

وهنا تبدأ الكارثة. حيث تبدأ الجريمة والمخدرات والدعارة بل حتى استقطاب عناصر الإرهاب في العالم وبأسعار أرخص من قيمة رغيف الخبز. وتزيد المسألة سوءا حين يوضع في الاعتبار أن زيادة عدد سكان المدن بهذا العدد الهائل يعني بالضرورة زيادة في تلوثها. فإذا كان التنقل في الريف على سبيل المثال لتحقيق هدف ما يتم مشيا على الأقدام لقصر المسافة فإن التنقل في المدن يحتاج إلى استخدام المحركات التي تعمل بالديزل أو الكهرباء لبعد المسافة لتحقيق نفس الغرض.

إن زيادة عدد النازحين للمدن يعني أيضاً زيادة الأحياء والمناطق التي تتكدس فيها مجموعات هائلة من السكان الفقراء أو من هم في مستوى دون خط الفقر يعيشون في ظروف صحية وبيئية مزرية. وحتى الآن لم تتحرك أي دولة من دول العالم لتصحيح أوضاع هذه الفئة من البشر في العالم. ما يعني أن التدهور في تصاعد مطرد.

غير أن البعض يرى في نزوح أهالي الريف إلى المدن وجها إيجابيا من حيث انه يوفر الأيدي العاملة للمصانع المتنوعة. ولكن أليس ذلك هو في حد ذاته زيادة إضافية لمعاناة الكرة الأرضية من مساوئ الصناعة على البيئة؟ وبما أن القرى والأرياف تعتبر المصادر الأساسية للزراعة، فمن سيقوم باستصلاح الأرض بعد انتقال الفلاح إلى المصنع؟ هل نتخيل دولة عظمى كفرنسا مثلا دون ريف ودون شجر؟ هكذا تتحول المساحات الزراعية شيئا فشيئا إلى ساحات صناعية.

المشكلة الأخرى التي تواجه هذا التعاظم في النزوح إلى المدن هو كيفية أقلمة التركيبة النفسية للقروي ليتعايش مع نفسية البيئة الجديدة. في كثير من الأحيان يشكل ذلك صدمة. ولا أتصور أن هناك من لديه الإمكانيات الكافية أو حتى الوقت الكافي في عالم الكل يبحث فيه عن لقمة عيشه وزيادة أرقام حساباته في المصارف لكي يأخذ بيد هؤلاء النازحين.

وقد يعترض البعض بأنه في زمن الانترنت والفضائيات التي وصلت حتى للأرياف فإن الهوة بين المدينة والقرية أصبحت ضئيلة. ولكن مجرد زيارة لأي قرية أو ريف في أي دولة من دول العالم ورغم زيادة الوعي والتعليم تظل تركيبة سكان القرى ومستوى المعيشة فيها مختلفة تماما عن تلك التي في المدن.

لكي يصبح القروي مدنيا بمعنى الكلمة فلا بد من توفير كافة السبل التي تأخذ بيده شيئا فشيئا حتى يندمج مع البيئة الجديدة. ولا بد لكي يندمج مع البيئة الجديدة من توفير سبل ذلك الاندماج من توفير العمل المناسب له، ولكي يتم توفير العمل المناسب له لا بد من تأهيله، ولكي يتم تأهيله لا بد من استقراره وتوفير المسكن الملائم وهكذا...

ولكن فيما يبدو أن مثل هذه الإجراءات ظلت وستظل حبرا على ورق غير قابلة للتنفيذ حتى في أغنى دول العالم كالولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا واليابان. وبمعنى آخر ستتحول هذه الأعداد الهائلة من المليارات البشرية إلى قنابل موقوتة مع مرور الوقت. فهؤلاء حتى وهم في مقرهم الحالي سيستمرون في التكاثر بنفس وتيرتهم السابقة.

لأن ما قاموا به لا يتعدى نقلهم من حياة بسيطة مقبولة قادرة على توفير الحياة المتوسطة في بيئتهم الأصلية إلى حياة معقدة صعبة ومكلفة بل ومريضة صحيا في ضواحي المدن أو حتى في عمق المدن نفسها. وإن لم يتأثر الأغنياء كما هو عادة بزيادة أعداد الفقراء من حولهم فإن الكارثة ستضرب بيد من حديد هؤلاء الذي هجروا أريافهم للاستقرار في المدن الكبيرة بحثا عن حياة مادية أفضل.

وهذا يجرنا إلى القول بأنه بعد عقود قريبة من الزمن سيصبح فقراء المدن في العالم أكثر بكثير من أغنيائها. وسوف تتحول الأرياف إلى مواقع سياحية. وربما أصبحت زراعة الطماطم والبطاطس من أخبار القرون الماضية!

إن المسألة أصبحت الآن في ملعب متخذي القرار السياسي. وحينما نطرح هذه المسألة فهذا لا يعني أنها محصورة في آسيا وافريقيا وبعض دول العالم، فهي ظاهرة عامة ربما ازدادت تأزما مع ظاهرة العولمة وأصبحت تأخذ شكل كرة الثلج التي تتدحرج نحو المدن.

ونحن في دولة الإمارات العربية المتحدة ربما نستطيع أن نقيم مثل هذه المسألة بشكل أوضح، وليس بين يدي حاليا أي دراسة تبين نسبة ازدياد الازدحام في المدن على حساب تقلص القرى منذ قيام الاتحاد أو تحول بعض القرى إلى نواة لمدن مستقبلية، ولكنني التقيت بأحد الاخوة الذين تركوا قريتهم الصغيرة الواقعة على سفوح أحد الجبال في المناطق الشمالية بهدف العمل في العاصمة.

ولقد شعرت بمرارته عندما شرح لي كيف وفي غضون سنوات قليلة تحولت المزرعة الواسعة التي كانت تحيط ببيتهم القديم حيث تزرع كافة أنواع الخضروات والفواكه وأشجار النخيل إلى بيت شعبي صغير وملحق وموقف لسيارة الأهل والباقي انترلوك!

وأنه لم يصبح من أثرياء البلد كما كان يحلم به، بل ظل موظفا صغيرا في انتظار تسليمه الراتب في نهاية الشهر ويسكن مع مجموعة من الشباب في مثل وضعه في سكن مشترك ولا يرى أهله إلا مرة واحدة كل 15 يوما لبعد المسافة ولزيادة سعر الوقود وتجنبا للازدحام المروري الذي يربط بين إماراتي الشارقة ودبي.

إن ناقوس الخطر الذي يدقه صندوق الأمم المتحدة للسكان لا يشمل فريقا دون آخر. فهي مسألة عالمية شاملة للكل وتتعلق بمستقبل البشرية في كل مكان وزمان: أوروبا، افريقيا، آسيا، أميركا، استراليا.... وربما وُجد حل لحروب البشرية وعم السلم في كل مكان، إلا ان زيادة مآسي الفقر والأمراض والجوع والموت الناتجة عن هذا التحول تكبر ككرة الثلج... لا أحد سيتمكن من إيقافها بعد أن تدخل في مرحلة التدمير البشرية.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com