كل العواصم العربية فوجئت بفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية للسلطة الفلسطينية لعام 2006. ومع أن معظم هذه العواصم لا يضمر وداً لهذه الحركة لسبب أو آخر،إلا أنها التزمت الحذر في التعبير عن هذا المكنون. وكانت هذه النتيجة وما زالت من فضائل الانتخابات الديمقراطية.. إذ ليس من الحكمة البوح بالامتعاض من قوة بوأها شعبها بالاقتراع الحر مركز صناعة السياسة والقرار.

ولأن حماس على دراية فيما يبدو بالمعلن والمخبوء من المواقف العربية تجاهها، ولأنها تدرك حجم العامل العربي في تحديد شرعية النظام الفلسطيني، فقد التزمت بموجبات هذا الإدراك..بحيث أنها لم تنشد من محيطها العربي سوى ما تستشعر إمكانية التجاوب معه. وعموماً عرضت حماس نموذجاً لكظم الغيظ مع الذين تجاهلوا مكانتها الجديدة غداة الانتخابات، فيما رحبت علناً بالمواقف التي آنست فيها الدفء والحميمية بقدر أو آخر تجاهها.

في هذا الإطار، مضت علاقات حماس العربية على حبل مشدود. فلا الدول العربية انفتحت بالكامل على الحركة ولا هي غلّقت في وجهها الأبواب. ومن المرجح أن تكون حماس،حكومتها الأولى بالذات، قد تمررت من الاصطفاف العربي خلف الحصار الذي ضرب عليها. لكن المدهش أن دبلوماسية حماس لم تعمد إلى التشهير بهذا الموقف على الملأ، وكان ذلك مؤشراً مهماً على برجماتيتها ومرونتها وقابليتها لتغليب السياسي على الإيديولوجي في سلوكها الخارجي عند اللزوم.

ربما تأثرت بعض النظم العربية وهي تقارب حماس بخصومتها السياسية المزمنة مع جماعة الإخوان المسلمين.. لكن هذه النظم قد تكون محقة في عدم التعجيل بالتعاطي مع حماس لسبب آخر، هو عدم اعتيادها على وجود غير فتح وقوى منظمة التحرير التقليدية في النظام الفلسطيني. ويقيناً كان الأمر بحاجة إلى مرور وقت يستوعب فيه المحيط العربي هذا المستجد.

لقد حاولت حماس طمأنة هذا المحيط إلى محليتها وعدم انجرافها إلى خطابات الجماعات والتنظيمات الإسلاموية «المتشددة« ذات المنظورات العابرة للدول والأقاليم، كالقاعدة وما شاكلها. وكان هذا التوجه والإيضاحات المرتبطة به مفيداً في الحوارات والانفراجات الحمساوية العربية.. الأمر الذي تجلى مثلا في المداخلتين المصرية والسعودية على خطوط التفاعلات النظامية الفلسطينية بهدف الوصول إلى قواسم مشتركة من جهة، واصطفاف حماس خلف التوجه العربي العام إزاء مجريات التسوية ومحدداتها مع إسرائيل من جهة أخرى.

نود القول إن واقعية حماس وعدم شرودها بعيداً عن السربين الفلسطيني والعربي، التي برزت في اتفاق مكة ثم في تشكيل حكومة الوحدة الفلسطينية وفق برنامج يفسح المجال أمام تجديد مبادرة التسوية في قمة الرياض، كانت مبعث ارتياح عربي نسبي كبير إلي سياسات الحركة.. فهي بدت كمن يؤثر على نفسه لأجل كسر الحصار عن شعبه ومخاطبة «المجتمع الدولي» بلسان فلسطيني وعربي واحد مبين بشأن عملية التسوية!..

نعرف مع كثيرين أن هذا المشهد تعرض لاحقاً لبعض التشوهات لاسيما لجهة استئناف التدافع بين فتح وحماس، وعجز العرب عن تصديع الحصار المطبق على الحالة الفلسطينية في ثوبها الوحدوي الجديد. نعرف كذلك أن هذه الظواهر أثارت لغطاً داخل حماس حول ما إذا كانت تنازلاتها ومرونتها ذهبت بلا ثمن، وما إن كان من الأجدى النكوص عنها.. بيد أن المؤشرات كانت توحي بأن تيار الاصطبار والتروي ومحاولة استدراك نواقص اتفاق مكة عبر حوارات مضافة، كانت له الغلبة في تضاعيف الحركة.. وكان من دلائل ذلك التجاوب مع جهود القاهرة لجولة حوار فلسطيني شامل في النصف الثاني من يونيو أو في مستهل يوليو على أبعد التقديرات.

في هذه الأجواء، تسارعت الاشتباكات الفتحاوية الحمساوية وصولاً إلى سيطرة حماس بالكامل على المؤسسات الأمنية بحملة مسلحة قوية في قطاع غزة واكبتها تجاوزات شكلية وموضوعية صادمة.. ثم أعقبتها، عاجلاً أيضاً، وقائع وإجراءات أنتجت مشهداً كئيباً في الضفة وغزة، يثير حزن وسخط أي غيور على حاضر القضية الفلسطينية ومستقبلها برمته.

يعنينا هنا من هذه التطورات ما يتصل بالخراب الذي لحق بالمقاربة العربية لحركة حماس. فأغلب الظن أن طاقة العنف الشديد التي استخدمتها الحركة ضد خصومها الداخليين والإمعان في إبراز البعد التنظيمي على حساب الوطني العام كرفع الأعلام الخضراء وليس العلم الفلسطيني، هذه القضايا أحيت التخوفات والأراجيف التي توارت نسبياً تجاه الحركة في العواصم العربية.

لقد بدت حماس وكأن لها أجندتين، ظاهرة وباطنة: تحاور في القاهرة بينما تعد لأخذ زمام غزة بيدها دون انتظار نتائج الحوار ووساطة الوسطاء. وليس قليلا بالنسبة للموقف من حماس أن تشعر القاهرة بهذه الازدواجية إلى حد المخادعة، وأن تتحسب الرياض لانتهاك حرمة القسم الفلسطيني في مكة وما يمكن أن تجره الشقاقات الفلسطينية من تثبيط وإحباط لمبادرة التسوية العربية.

ثم إن العواصم العربية عموماً لديها ما تتحفظ به إزاء العنف الذي تستخدمه جماعات إسلامية في الداخل، وليس ثمة ما يحول جدلا الآن دون بسط هذا التحفظ ليمتد إلى حماس على محمل أنه نموذج قد يحتذى.. وبالتداعي سيجد المرجفون بأجندة حماس ما يتكئون عليه في دعوتهم لعزلها، بزعم إنها لا تميز بين مقاومة الاحتلال واستباحة الدماء الوطنية.بعض هذه التحليلات راح يتلصص عربيا بالفعل.

نحسب أن حماس أغفلت اعتبارات عربية كثيرة وهي تتخذ قرارها بحسم «معركة غزة» بما يمكن وصف هذا القرار بعدم الرشد والتعجل على غير ما أشيع عنها من ضبط النفس والتحسب لمواطئ الأقدام. وعليه، لم يتأخر رد الفعل السلبي كثيراً، إذ تجاوبت معظم العواصم العربية مع خطوات الرئاسة الفلسطينية، بما فيها تلك المشكوك في سلامتها الدستورية القانونية مثل تشكيل حكومة طوارئ فلسطينية بعد إقالة حكومة الوحدة. وإذا عطفنا هذا الموقف وملحقاته من دعوات للقطيعة مع حماس وعزلها والتواصل مع ناس غزة من فوق رأسها، على الأصداء الإسرائيلية والأميركية والأوروبية المماثلة، فسوف ندرك أن حماس ربما تكون خسرت الكثير من مكاسبها العربية.

السؤال هنا يتعلق بما إن كانت الأطراف العربية بوارد السماح لهذه الحركة بالتعويض والاستدراك؟. وكذا بما إن كان المحيط العربي واعيا لصعوبة أو حتى استحالة استبعاد هذه الحركة من الصورة الفلسطينية؟. ما نحن على يقين منه أن قوة فلسطينية كائنة من كانت لا تستطيع الإبحار في لجة القضية الفلسطينية العاصفة شديدة التعقيد بدون الاستناد إلى الظهير العربي بعجره وبجره.. فهل تكون حماس بدعاً من ذلك؟..

كاتب وأكاديمي فلسطيني