لايزال الصراع يشكل العنوان الطاغي الذي يحرك الإرادات الفاعلة في الشأن الفلسطيني، الذي لم يعد شأناً فلسطينياً خالصاً بعد أن تجاوز فعل الصراع الوسائل المعتادة إلى استخدام العنف الذي لم يحسم أمر السيطرة على السلطة بكاملها بقدر ما أنه أحدث تقاسماً وانقساماً إرغامياً، جعل الأمر كله يخرج أيضاً عن الإطار الفلسطيني إلى الاستراتيجيات والمصالح الدولية والإقليمية.
الأزمة التي بلغت ذروة جديدة بعد أن تمكنت حركة حماس من حسم الصراع لصالحها على السلطة في قطاع غزة، هذه الأزمة، لا تزال تتفاقم يوماً بعد آخر، اثر الأفعال وردود الأفعال عليها من قبل حكومة في غزة تصر على أنها الشرعية رغم مرسوم الرئيس محمود عباس بإقالتها، وحكومة طوارئ تستعجل استثمار الوقت لإصدار المزيد من الإجراءات والقرارات، لاستكمال ما يصدر عن الرئيس عباس من مراسيم لا تعترف بها حركة حماس وحكومة إسماعيل هنية المقالة.
وبعيداً عن الجدل القانوني الذي تضج به الحملات الإعلامية من كلا الطرفين في رام الله حيث الرئاسة وحكومة الطوارئ وفي غزة حيث الحكومة المقالة وحركة حماس المسيطرة بالكامل، فإن الفعل على الأرض وفي مختلف الاتجاهات، لا يلتفت إلى مدى صحة أو عدم صحة المراسيم والقوانين والإجراءات التي يصدرها كل طرف بعد الآخر ويعمق حالة القطيعة بين الطرفين.
وفيما يستقوي الرئيس عباس بما لديه من صلاحيات يقررها النظام الأساسي (الدستور المؤقت) وبمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية التي يعاد تنشيطها من موقعها كمرجعية للسلطة الوطنية، وباعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني الذي لا يزال يحظى باعتراف دولي وعربي رسمي، وأيضاً بالتأييد الدولي والعربي الذي يقف خلف سلطة الشرعية، فإن حركة حماس تستقوي بكونها صاحبة الأغلبية في المجلس التشريعي المنتخب، وصاحبة القدرة العسكرية، والمسيطرة لوحدها على قطاع غزة.
من موقعه وفق ما تتوفر له من وسائل القوة الشرعية والسياسية، يواصل الرئيس الفلسطيني إصدار المراسيم التي تؤدي إلى نزع أي شرعية عن حماس، وحكومة هنية، وعن كل ما تقوم به، فضلاً عن عزلها بالكامل، والفصل بينها وبين الجمهور الفلسطيني في غزة. وفي الحقيقة فإن الرئيس عباس وحكومته، يعتقدان أن مواصلة إحكام الحصار على حركة حماس في غزة، وإفقادها القدرة على حل مشاكل الناس، أو على تشكيل الحد الأدنى من الإدارة المدنية غير العسكرية، من شأنهما أن يؤدي بعد وقت إلى إفقاد حماس من القدرة على تحقيق أية امتيازات نتيجة لجوئها للحسم العسكري، وبما يجعل سيطرتها على قطاع غزة عبئاً سيترتب عليها أن تبحث عن وسائل كثيرة ووسطاء للتخلص منه.
ولعل ما يقلق الرئيس عباس وحكومة الطوارئ وأيضاً حركة فتح، هو كيفية منع انتقال التجربة المريرة التي وقعت في غزة إلى الضفة الغربية، ولذلك كان على هذه الأطراف التي تمثل في الواقع طرفاً واحداً، أن تبدي اهتماماً شديداً يقع على رأس أولوياتها، وهو الاستفادة من قرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير الذي انعقد مؤخراً، ويقضي بحل كافة الميليشيات. وحتى تأخذ هذه القضية أبعادها العملية، يواصل رئيس حكومة الطوارئ الدكتور سلام فياض توفير الدعم اللازم لتقوية الأجهزة الأمنية في الضفة لتمكينها من ضبط الأوضاع، وتقديم تجربة مختلفة عن التجربة في غزة التي أدت إلى ما أدت إليه، والطلب من حركة فتح، التعاون مع حكومته لتنفيذ قرار حل الميليشيات ابتداء من كتائب شهداء الأقصى التابعة للحركة والتي أعلنت عن حل نفسها.
ومن وجهة نظر الرئاسة وحكومة الطوارئ فإن قرار حل الميليشيات يسحب نفسه على ما يعتبره ميليشيات حماس التي تسيطر على غزة، وبالتالي تفقد شرعيتها استناداً إلى قرار مرجعي ومرسوم رئاسي، وممارسة على الأرض عملية في الضفة الغربية، فضلاً عن أن هذا الخيار يشكل بديلاً لتحقيق الأمن الداخلي للخيار الذي تطرحه وتمارسه حماس في غزة والذي يقوم على تحقيق الأمن من خلال سيطرة المسلحين. وفي المقابل تواصل حركة حماس بسط سيطرتها على مختلف زوايا قطاع غزة، وجمع الأسلحة من أفراد الأجهزة الأمنية المنهارة، وتشكيل قوة أمنية بفرض الأمر الواقع، لتنظيم شؤون الحياة اليومية، حتى وإن لم يعترف بها الرئيس محمود عباس.
وفوق هذا تحاول حماس فتح ثغرات سياسية في جدار الحصار مستخدمة ما يتوفر لها من وسائل قليلة، مثل ملف الجندي الإسرائيلي المختطف جلعاد شاليت، وملف الصحافي البريطاني المختطف لدى جماعة جيش الإسلام آلن جونستون، بالإضافة إلى موضوع التهدئة مع إسرائيل، ووقف إطلاق الصواريخ. حركة حماس لا تبدي تردداً أو ندماً، بل وتحاول البناء على ما جرى واستثماره في تحقيق اتفاق جديد عبر الحوار الذي لا تكف عن الدعوة إليه، من أجل تحسين مواقعها وسيطرتها على النظام السياسي الفلسطيني، وهو ما حظيت به نظرياً عبر اتفاق مكة وما فشلت في تحقيقه على أرض الواقع، إلى أن اندفعت نحو الحسم العسكري لتحقيق ما لم تنجح في تحقيقه.
وإذا كان هذا هو الهدف المباشر والآني لحركة حماس فقد كان عليها أن تبدد مخاوف الأطراف الإقليمية، حيث أعلن رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية أن حركة حماس لا تنوي إقامة إمارة إسلامية في غزة، ولكن عدم إقامة إمارة إسلامية لا يمنع من إقامة مجتمع إسلامي كما أعلن زميله في القيادة الدكتور محمود الزهار. الشأن الفلسطيني شكل المحور الأساسي الذي دعيت لمعالجته القمة الرباعية في شرم الشيخ بمصر يوم الخامس والعشرين من شهر يونيو الجاري، واجتماع الرباعية الدولية في القدس في اليوم التالي، والذي كان مقدراً له أن ينعقد في القاهرة في التوقيت ذاته.
نقل اجتماع الرباعية من القاهرة إلى القدس ينطوي على دلالة واضحة تتصل بمدى أهمية معالجة الشأن الفلسطيني بمختلف تداعياته، والتي تهم إسرائيل بدرجة أساسية. وبخلاف التصريحات المعلنة التي صدرت عن قمة شرم الشيخ وحولها، فإن النتائج المتواضعة جداً التي خرجت بها على شكل وعود من جانب رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت، فإن قمة من هذا المستوى ما كانت لتنعقد ويحضرها الزعماء الأربعة، لو أن أهدافها والتوقعات منها كانت ستكون كما جرى الإعلان عنها.
عدم إصدار إعلان رسمي عن اجتماع الرباعية الدولية انطلاقاً من ضعف نتائج قمة شرم الشيخ، يوحي بأن ثمة أهدافاً أو قرارات سرية لم يتم الإعلان عنها، وهي لا تتصل بفتح آفاق العملية السياسية، ولكان تسابق الجميع على الإعلان عن ذلك.
فماذا تخبئ الأيام القادمة للفلسطينيين عدا عن دوام الانقسام والصراع والحصار على غزة؟ وهل يلين الرئيس موقف حركة فتح من الحوار الذي شدد عليه الرئيس مبارك في كلمة افتتاح القمة، وهي من الأطراف المرشحة للتوسط أم أن الصراع سيظل سيد الموقف إلى حين تتوفر شروط جديدة لحوار الإخوة الأعداء؟ على كل حال إذا كان الفلسطينيون هم المسؤولون عن صناعة أزمتهم فإنهم قد يكونون الطرف الأقل تأثيراً في البحث عن معالجات لها.
كاتب فلسطيني