يلتقي الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والأميركي جورج بوش في مدينة كينيبانكبورت في ولاية مان الأميركية ويتعين عليهما إبان هذا اللقاء معالجة قضية إبعاد شبح «الحرب الباردة الثانية» الذي لاح في العلاقات بين البلدين.
خاصة بعد التصريحات الحادة بين الطرفين في خلال هذا العام منذ مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي في العاشر من فبراير الماضي والذي كال فيه بوتين الاتهامات للغرب عموما ولواشنطن بشكل خاص، وأيضا في فترة قمة «الثمانية الكبار» في مدينة هايليغيندام الألمانية في الثامن من يونيو الجاري والتي سبقها اتهامات أخرى من بوتين ووصفه للولايات المتحدة بالإمبريالية.
ويأتي اللقاء الخاص بين الرئيسين بعد غد في قرية عائلة بوش وفي جو من الود والهدوء والعلاقات الطيبة التي جمعت بين بوتين وبوش طيلة سنوات حكمهما السبع الماضية، التي لم تعكرها كثيرا خلافات البلدين.
هذه العلاقات الشخصية الثنائية التي يعول عليها الكثيرون لتهدئة وتسوية الأزمات المشتعلة بين البلدين، وخاصة أزمة الدرع الأميركية المضادة للصواريخ المزمع نشرها في شرق أوروبا، وأزمة النووي الإيراني وأيضا أزمة كوسوفو.
ولا تكشف البيانات الرسمية القصيرة الصادرة عن موسكو وواشنطن عن درامية المرحلة الحالية التي تتميز، حسب تقييمات الخبراء الدبلوماسيين، بخلافات جدية بين البلدين بشأن أهم القضايا الدولية وكذلك بصدد بعض جوانب العلاقات الثنائية. وتكشفت هذه الخلافات حتى خلال النقاشات العامة التي أجراها وزراء خارجية «الثمانية» في بوتسدام.
وتميزت بعدم تطابق المواقف بالمرتبة الأولى مشكلة كوسوفو التي أبدت موسكو الاستعداد لاستخدام الفيتو في مجلس الأمن بشأنها وكذلك قضية نشر عناصر المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا.
وأن الجانب الروسي رغم «التوضيحات السلمية» التي تلقاها من الولايات المتحدة يواصل إدانة هذه الإجراءات بشكل حاد باعتبارها خطوة إلى تحويل أوروبا إلى «خزانة بارود».
وفي هذا الوضع تصدر أكثر التصريحات والتقييمات تشددا لحالة العلاقات بين البلدين من الجانب الأميركي. فترى واشنطن أن بوتين الذي أدان الولايات المتحدة في مؤتمر ميونيخ يواصل انتقاد واشنطن عندما حذرها من تكرار سياسة «الرايخ الثالث».
وتقول التقييمات الأميركية ان العلاقات بين البلدين «انحدرت إلى أوطأ نقطة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي» وشاهدت مجلة «نيوز ويك» في هذا شبح «حرب باردة ثانية».
الرئيس جورج بوش الذي لم يصدر عنه شخصيا أي تصريح يغضب روسيا مازال مصرا على إمكانية التوصل إلى تفاهم أميركي روسي بشكل مباشر بالعلاقات الشخصية الجيدة التي نشأت لديه مع بوتين. ولذا فإن لقاء كينيبانكبورت بالنسبة للرئيس الأميركي يشكل حالة مناسبة جدا لطرد شبح «الحرب الباردة» الجديدة.
ولا يزال الاقتراح الروسي الذي يدعو الولايات المتحدة إلى التخلي عن وضع عناصر منظومتها الصاروخية الدفاعية في أوروبا والاستعانة ـ بدلا من ذلك ـ بالرادار الذي تستخدمه روسيا في أذربيجان، لا يزال هذا الاقتراح مطروحا وسوف يناقشه الرئيس بوتين مع نظيره الأميركي بوش خلال اجتماعهما بعد غد، وفي موسكو يأملون في أن يثمر لقاء الرئيسين عن نتائج إيجابية بغض النظر عن حدة التصريحات المتبادلة بين الطرفين في الأيام الماضية.
ويقول رئيس أركان الجيش الروسي يوري بالويفسكي المعروف بتشدده وحدة تصريحاته التي تصل لدرجة التهديد المباشر للولايات المتحدة «إن الجانب الروسي لا ينظر إلى ما جاء في تصريحات بعض المسؤولين الأميركيين على أنه رد واشنطن الرسمي على المقترحات الروسية لحل أزمة منظومة الدفاع الصاروخي»، واعتبر الجنرال بالويفسكي أن هؤلاء المسؤولين (ومنهم وزيرة الخارجية رايس ووزير الدفاع غيتس) لم يردوا على ما تقدم به الجانب الروسي بقدر ما حاولوا تشويه الاقتراح الروسي.
وعلى سبيل المثال زعموا في واشنطن أن موسكو اعترفت أخيرا بوجود «الخطر الإيراني» في حين أن المسؤولين الروس لا يرون أي خطر إيراني ولكنهم ارتأوا تقديم اقتراح يمكّن الأميركيين من رؤية الوضع كما هو حقيقة وليس كما يتوهمون حول وجود خطر من صواريخ إيرانية، وإذا جرى حديث عن ظهور خطر ما فسوف يمكّنهم الرادار الموجود في أذربيجان من رصد وتقييم ما يثير قلقهم.
ويرى باليوفسكي أيضا أن مزاعم التهديد الإيراني واهية ومردود عليها وأن هناك أهدافا ومصالح أخرى داخل الولايات المتحدة من وراء الاستعجال في نشر نظام الدفاع الصاروخي حيث أن القيادة العسكرية الأميركية الحالية في ظل إدارة بوش تسارع إلى وضع أسلحة مضادة للصواريخ في شرق أوروبا لكي تجابه الرئيس الأميركي الجديد بالأمر الواقع ويصبح سباق الصواريخ بالتالي غير قابل للتراجع، وهذا في حد ذاته يحقق سبقا للجمهوريين لدى أصحاب المصالح العليا في أميركا من تجار السلاح.
الواقع أن لقاء الرئيسين الأميركي والروسي بعد غد يشكل أهمية خاصة للعديد من الأطراف، وعلى رأسهم الأوروبيون الذين أصابهم القلق الشديد من تصاعد الأزمات بين موسكو وواشنطن، وذلك لأنهم يعلمون جيدا أن قارتهم العجوز المنهكة بالكثير من المشاكل لا تحتمل المزيد منها ولا تحتمل اقتصادياتهم التي تمر بأسوأ مراحلها بسبب تصاعد أزمات الطاقة العودة للإنفاق على برامج تسليح جديدة بنفقات باهظة تفرضها عليهم واشنطن كما كان في زمن الحرب الباردة بين المعسكرين.
فالأوروبيون من جانب لا يستطيعون الخوض في الإنفاق على التسليح، ومن جانب آخر لا يستطيعون الخوض في تعميق الخلافات مع روسيا التي باتوا في حاجة ماسة إليها وإلى مصادر الطاقة المتوفرة لديها، كما أنهم أصبحوا مؤمنين تماما بأن أمن أوروبا لا يمكن أن يتحقق بمنأى عن روسيا، وأن الحماية الأميركية لأوروبا إذا كانت مفروضة أو مقبولة فلابد ألا تكون موجهة ضد روسيا.
وكبار قادة أوروبا يؤمنون تماما بأن هناك مصالح كثيرة مشتركة بين روسيا وأوروبا في كل المجالات وأن هذه المصالح تنمو بشكل مستمر ويجب أن تستمر في النمو وليس من حق واشنطن أن تعترض أو حتى تقلق من هذا الأمر.
ولهذا فإن الوضع الأفضل للخروج من هذا المأزق هو التفاهم والتعاون بين القطبين موسكو وواشنطن، وهو الأمر الذي يأمل الأوروبيون في تحقيقه في لقاء بوتين وبوش بعد غد.
الآمال المعقودة على لقاء بوش وبوتين بعد غد كثيرة، والمشكلات أيضا كثيرة وستكون كلها محل حوار الرئيسين، ولا يبقى سوى الانتظار لمعرفة نتائج اللقاء.
جامعة سيبيريا